ثلاث صور للإنسان الحديث
في الأدب العالمي روايات لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تكشف كيف يرى الإنسان نفسه والعالم من حوله، ومن هذا النوع ثلاث روايات تبدو متباعدة ثقافياً، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: ما الذي يدفع الإنسان إلى تجاوز حياته المألوفة؟ إنها رواية (To the Lighthouse- إلى المنارة) لفرجينيا وولف، ونداء المجهول لمحمود تيمور، و(The Call of the Wild- نداء البرية) لجاك لندن.
غير أن «النداء» في كل رواية يأتي من جهة مختلفة تماماً. في رواية جاك لندن، النداء بدائي وغريزي. الكلب «باك» لا يبحث عن معنى فلسفي للحياة، بل يعود إلى قوانين الطبيعة الأولى: القوة، والبقاء، والصراع. الحضارة هنا تبدو قشرةً هشة تخفي تحتها الكائن المتوحش. وكلما ابتعد «باك» عن العالم المروّض، اقترب من اكتماله الحقيقي. ولهذا فإن الرواية ليست مجرد مغامرة في الثلوج، بل هي تأملٌ قاسٍ في هشاشة الحضارة الإنسانية نفسها.
أما عند محمود تيمور، فالمجهول ليس غابةً متوحشة، بل هو أفقٌ نفسي وروحي. شخصياته تشعر بأن الحياة اليومية أضيق من أحلامها. هناك دائماً رغبة في الرحيل، في كسر الرتابة، في البحث عن شيء لا اسم واضحاً له. ولهذا يحمل «نداء المجهول» نبرةً رومانسية قريبة من روح الصحراء والبحر والسفر البعيد، فالمجهول عند تيمور لا يُخيف بقدر ما يُغري.
وفي المقابل، تبدو فرجينيا وولف أكثر هدوءاً وأكثر عمقاً في آنٍ واحد، ففي (إلى المنارة) لا توجد مطاردات ولا رحلات كبرى، بل مواجهة صامتة مع الزمن. المنارة ليست هدفاً جغرافياً، بل رمزٌ لمعنى يظل بعيداً مهما اقتربنا منه. الشخصيات عند وولف لا تهرب إلى الغابة ولا إلى السفر، بل تغرق داخل وعيها وأسئلتها وهشاشتها الإنسانية.
ومن هنا تُمثّل الروايات الثلاث ثلاث صور للإنسان الحديث: عند جاك لندن: الإنسان/الغريزة، وعند محمود تيمور: الإنسان/الحلم، وعند فرجينيا وولف: الإنسان/الوعي.
حتى اللغة تكشف هذا الاختلاف. لغة جاك لندن خشنة وسريعة ومملوءة بالحركة والجسد والصراع، أما محمود تيمور فيكتب بلغة أقرب إلى التأمل العاطفي والحنين، بينما تحوّل وولف اللغة نفسها إلى تيار نفسي متدفق، بحيث تصبح الجملة انعكاساً لحركة الفكر والزمن داخل الإنسان. ومع ذلك، تشترك الروايات الثلاث في حقيقة واحدة: لا أحد يكتمل داخل الاستقرار التام. هناك دائماً صوتٌ بعيد يستدعي الإنسان إلى مكان آخر؛ مرةً من الغابة، ومرةً من المجهول، ومرةً من أعماق الوعي نفسه.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.