متلازمة الرادار

عضو سابق في المجلس الوطني الاتحادي

عائشة محمد سعيد الملا

يتوجه بعضهم، اليوم، مسرعين في الطرقات دون أن يلقوا بالاً للوحات الشارع أو انسيابية السير، يتجاوزون هذا وذاك بلا مبالاة، ويستخدمون الأضواء لإزاحة المركبات أمامهم، حتى إن لم تكن هناك مساحة آمنة لذلك، يقودون وفق تقديرهم الشخصي لمهارتهم، لا وفق ما يفرضه القانون أو تقتضيه السلامة العامة، متجاوزين الحد الأعلى للسرعة إلى أقصى ما يرونه «معقولاً» من وجهة نظرهم.

ومع الوقت، يتحول الأمر إلى سلوك اعتيادي؛ فهم يحفظون أماكن كاميرات المراقبة، وربما يعتمدون على تطبيقات الخرائط التي تنبّه إلى وجود الرادار قبل مئات الأمتار، فيخففون سرعتهم مؤقتاً حتى يمروا من أمام ذلك العمود الشامخ، ثم يعودون مجدداً إلى تهورهم وعدم احترامهم الطريق، وكأن الالتزام أصبح لدى بعض الناس مرتبطاً بالخوف من المخالفة فقط، لا بقناعة داخلية أو احترام للقانون.

المفارقة أن عدد كاميرات المراقبة، اليوم، مرتفع ولله الحمد، إلى درجة أن فرصة القيادة المتهورة أصبحت محدودة جداً، وقد لا تتجاوز دقائق معدودة، ومع ذلك، تبقى الفكرة نفسها قائمة: لماذا يحتاج بعضهم إلى «رادار» خارجي كي يلتزموا؟ ولماذا لا ينبع احترام الطريق من الوعي والمسؤولية الذاتية؟

السواقة لابد أن تتحلى بالأخلاق قبل المهارة، فالقانون لم يُوضع لتفادي الحوادث فقط، بل لتنظيم الحركة مع مراعاة الجوانب المعنوية أيضاً، وعندما يلتزم الإنسان بوجود الرقيب فقط، فإنه في الحقيقة لم يقتنع بالقانون أصلاً، بل اقتنع بالعقوبة.

الأخطر من ذلك أن هذا السلوك لا يؤثر في السائق وحده، بل ينعكس على كل من حوله؛ على الأسرة التي تقود بأطفالها، وعلى السائق الملتزم الذي يفاجأ بمركبة تقترب منه بسرعة جنونية، وعلى مستخدمي الطريق عموماً الذين يصبحون في حالة توتر دائم بسبب تصرفات فرد واحد مستهتر.

الالتزام الحقيقي لا يبدأ عند الرادار، بل يبدأ من الضمير، حين يدرك الإنسان أن احترامه للسرعة، وتركه مسافة الأمان، وهدوءه في القيادة، كلها قيم حضارية تعكس وعيه واحترامه الآخرين، فالرقيب الحقيقي ليس الرادار، بل أخلاق الإنسان حين يمشي وحيداً في الطرقات.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر