كلمات تموت

* باحث زائر في جامعة هارفارد

د. كمال عبدالملك*

في اللغة العربية كلمات تموت لأن الحياة التي كانت تُنطق فيها قد ماتت، ومن أجمل هذه الكلمات وأكثرها إدهاشاً كلمة «استنباح»، وهي لفظة تبدو لأول وهلة غريبة على أذن ابن المدينة الحديثة، لكنها كانت في الصحراء العربية فعلاً من أفعال النجاة، وعلامة على وجود البشر وسط العتمة والوحشة، فـ«الاستنباح» كما يورده الجاحظ في «كتاب الحيوان»، هو أن يعوي المسافر ليلاً، أو يُقلّد نباح الكلاب حتى تجيبه كلاب الحي، فيهتدي إلى مكان الناس والنار والطعام والمأوى.

كانت الصحراء قبل الخرائط والإحداثيات والأقمار الاصطناعية، تُقرأ بالأصوات. وكان الكلب - في المخيال العربي القديم - جهاز إنذار حياً، ودليلاً اجتماعياً على وجود العمران، حتى إن بعض العرب كانوا يقولون: «لا تكون قرية حتى ينبح فيها كلب ويصيح فيها ديك».

ويصف الجاحظ ذلك المشهد بذكاء المراقب الكبير للحياة اليومية: مسافر أنهكه البرد أو الجوع أو الضياع، يقف في الليل ويعوي، فتُجيبه الكلاب من بعيد، فتستيقظ البيوت على احتمال قدوم ضيف، وهكذا يصبح الكلب جزءاً من منظومة الكرم العربية: نار تُوقد فوق مرتفع، وكلب ينبح، وبيت يفتح بابه لغريب لا يُعرف اسمه.

والمثير أن هذه الصورة القديمة لم تختفِ تماماً، بل عادت إلينا في هيئة حديثة مضحكة وعميقة في آن واحد، فنحن اليوم نمارس نوعاً جديداً من «الاستنباح»، لكن ليس للكلاب، بل للسيارات. يكفي أن تضغط زر المفتاح الإلكتروني لتُطلق السيارة صفيراً أو تومض أضواؤها، فتدلّك على مكانها وسط مواقف السيارات الهائلة، إنه «استنباح السيارة» بلغة عصرنا.

المشهدان متشابهان على نحو يثير التأمل. العربي القديم كان يضيع في الصحراء فـ«يستنبح» الكلاب ليهتدي إلى الحي، أما ابن المدينة الحديثة فيضيع بين آلاف السيارات المتشابهة فـ«يستنبح» مركبته الإلكترونية لتجيبه بصفير معدني. تغيرت الوسيلة، لكن الحاجة الإنسانية واحدة: الرغبة في العثور على الطريق وسط التيه.

غير أن الفارق الحضاري بين المشهدين يكشف أيضاً تحولاً عميقاً في علاقتنا بالعالم. وهكذا تكشف لنا كلمة مهجورة من كتب الجاحظ أن التقنية، مهما تغيّرت، لا تُلغي البنية العميقة للحاجات البشرية، فما بين «استنباح» الكلب و«استنباح» السيارة تاريخ كامل لتحوّل الإنسان من كائن يبحث عن الدفء الإنساني في قلب الصحراء، إلى كائن يبحث عن سيارته في صحراء الإسفلت.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر