شاور ولدك
يستغرب كثير من الآباء من أبنائهم بعد بلوغهم سنّ الشباب، حين يلاحظون ضعف قدرتهم على اتخاذ القرار، أو ترددهم في مخالطة المجتمع، أو عجزهم عن خوض الأحاديث بثقة، يتساءل الأب: لماذا ابني صامت؟ لماذا لا يبادر؟ لماذا لا يتحمل المسؤولية؟ لكن الإجابة في كثير من الأحيان تعود إلى سنوات سابقة، حين كان الطفل بعيداً عن المجالس، معزولاً عن الحوار، وغير مشارك في تفاصيل الحياة اليومية.
تبدأ المشكلة مبكراً، حين يُربَّى الطفل على التلقي فقط، لا على المشاركة، يُطلب منه السمع والطاعة، دون أن يُمنح مساحة للتعبير أو إبداء الرأي، ومع مرور الوقت، يعتاد الصمت، ويتجنب المبادرة، ويكبر وهو غير واثق بقراراته، وهنا يبرز دور الأب بشكل محوري بوصفه مساهماً حاسم في تكوين شخصية الطفل.
من أهم الأسس التي تعزز ثقة الطفل بنفسه، وتطوّر قدرته على التفكير، أن يُشاور الأب ابنه منذ الصغر، ليس بالضرورة في قرارات كبيرة، بل في تفاصيل يومية بسيطة: ماذا نشتري؟ أين نذهب؟ كيف نرتب هذا الأمر؟ هذه الأسئلة، وإن بدت عادية، تفتح للطفل باب التفكير، وتُشعره بقيمته داخل الأسرة، وتدربه على اتخاذ القرار وتَحمُّل نتائجه.
كما أن اصطحاب الطفل إلى المجالس منذ الصغر يُعَد مدرسة حقيقية لا تُعوَّض، هناك يتعلم آداب الحديث، واحترام الكبير، وفهم السياق الاجتماعي، ويكتسب مفردات وأساليب لا تُدرَّس في المدارس، أما إذا طُلب منه فجأة في الكبر أن يجلس مع الكبار، فغالباً سيشعر بالملل أو الغربة، وسيفضّل الانسحاب إلى عالمه الخاص مع أقرانه أو أجهزته.
ومرافقة الأب لابنه في قضاء الحاجات اليومية، من التسوق إلى إنهاء المعاملات، ليست مجرد وقت عابر، بل فرصة تعليمية فريدة، يرى الطفل فيها كيف يتعامل والده مع الناس، كيف يتخذ قراراته، كيف يدير وقته، وكيف يواجه المواقف المختلفة، هذه التفاصيل الصغيرة تُبنى عليها شخصية كبيرة.
إن بناء شخصية واثقة لا يحدث فجأة عند الكِبر، بل يُزرَع تدريجياً منذ الطفولة، فكل سؤال تُشرِك فيه ابنك، وكل موقف تسمح له أن يعبّر فيه، وكل مجلس تصطحبه إليه، هو لبِنة في بناء إنسان قادر على التفكير، واثق بنفسه، حاضر في مجتمعه، لذلك لا تنتظر أن يكبر ابنك لتطلب منه ما لم تُعلّمه، وشاوره اليوم.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.