حين تضحك الكوميديا.. وتُشكّل القناعات
كبرنا ونحن نضحك. نضحك بلا حذر، ونستقبل «الكوميديا» كمساحة بريئة لا تُناقش، لكن مع الزمن تبين أن بعض هذا الضحك لم يكن مجرد تسلية، بل كان يزرع فينا مواقف كاملة دون أن نشعر.
في مسلسل «خرج ولم يعد»، لم يكن الرجل الذي جمع بين امرأتين سوى نموذج للإنهاك والسخرية. تتكاثر الضغوط، وتتصاعد المقالب، حتى تصبح النهاية منطقية: الهروب.
خرج.. ولم يعد. لم يكن ذلك موقفاً فكاهياً فقط.
وفي «خالتي قماشة»، يظهر تشخيص أعمق في مشهد جانبي عابر: أب فقد زوجته، وبناته - على الرغم من بلوغهن سن الزواج - يقفن في وجه رغبته في الارتباط مجدداً. ليس لأن القرار غير منطقي، بل لأن «المرأة الجديدة» مرفوضة شعورياً.
وحين يتزوج تُعاد صياغة الصورة درامياً: زوجة الأب مصدر قلق، وشخصية مثيرة للمقالب، لا امتداد طبيعي للحياة. هنا لا نتحدث عن موقف، بل عن برمجة هادئة.
ومع تكرار هذه الصور في أعمال عربية كثيرة، ترسّخ قالب كامل: الضرة خصم، وزوجة الأب خطر، والبيت المشترك ساحة صراع. لم يعد الرفض رأياً، بل أصبح شعوراً تلقائياً.
المفارقة أن محاولات تقديم صورة مختلفة - كما في عائلة الحاج متولي - لم تُقابل بالترحيب ذاته، على الرغم من أنها عرضت التعدّد بوصفه واقعاً ممكناً، له تحدياته، لكنه قابل للاستمرار. وكأن المجتمع لا يناقش الفكرة، بل يدافع عن الصورة التي اعتاد عليها.
هنا تتضح المعضلة بجلاء: نحن لا نرفض التعدد كنظام، بل نرفض الصورة التي صُنعت له عبر عقود من الدراما. وعندما تصبح الصورة أقوى من الواقع، يتحول النقاش إلى استدعاء مشاهد لا إلى بحث في الخيارات.
من هنا لا يكون الحل في فرض قناعة جديدة، بل في إعادة التوازن إلى السردية الإعلامية.
دراما تُظهر النماذج المتنوعة دون شيطنة مسبقة، وبرامج تطرح تجارب واقعية - ناجحة ومتعثّرة - بصدق إنساني، لا بقالب ساخر أو متحيز. حينها فقط، يمكن للأجيال القادمة أن ترى الصورة كاملة لا نصفها، لأن أخطر ما فعلته «الكوميديا» هو أنها جعلتنا نضحك، ثم نُسلّم أن ما ضحكنا عليه لا يصلح لأن يكون خياراً، فلا يُعقل أن ندين واقعاً لم نمنحه يوماً فرصة أن يُروى بإنصاف.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.