الوطن مصون بعقول أبنائه قبل أسواره

*باحث في العلوم الإنسانية

ناصر سالم سيف الدرعي

إن حماية الأوطان تبدأ من بناء العقول قبل إقامة الحواجز، ومن ترسيخ القيم قبل سَنّ العقوبات؛ فالأمن الحقيقي لا يُصان بالقوة المادية وحدها، بل يتأسس أولاً على وعي راسخ وإدراك مسؤول لمعاني الأمانة والانتماء. ومن هنا تتبوأ المؤسسات التعليمية والمجتمعية مكانة مركزية في غرس قيمة الأمانة وتعزيز روح الولاء، حتى ينشأ جيل يُدرك أن الخيانة ليست فعلاً طارئاً، بل انحراف يبدأ من الفكر قبل أن يظهر في السلوك، وأن صيانة الوطن واجب ديني وأخلاقي، يقوم على الوفاء بالعهد، وحفظ المصالح، والعمل على صون المجتمع واستقراره.

وعلى نطاق أوسع لم تعد الخيانة في صورتها المعاصرة مقصورة على الأفعال الظاهرة التي تُهدِّد أمن المجتمعات أو تعبث بمصالحها، بل باتت تبدأ في مستويات أعمق تتصل بالفكر والتصور قبل أن تتجسد في السلوك والعمل. فالسلوك في حقيقته ثمرة للفكرة، وإذا اضطربت الفكرة أو انحرفت عن جادة الاعتدال، نشأ عنها فعل يُخلّ بموازين الأمانة ويقوّض دعائم الثقة المجتمعية.

وقد حذَّر القرآن الكريم من الخيانة بصورها كافة، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: 27]، في تأكيد أن الأمانة قيمة جامعة تشمل الدين والوطن، وأن الإخلال بها يفضي إلى اضطراب البناء الاجتماعي واختلال توازنه.

ومن هنا يتجلى الدور المحوري للمؤسسات التعليمية بوصفها الحاضنة الأولى لتشكيل الوعي الوطني الرشيد. فالمدرسة والجامعة ليستا مجرد فضاءين لنقل المعرفة، بل هما مؤسستان لبناء الانتماء وترسيخ القيم، ويبدأ ذلك من خلال المناهج التي تُعزز معنى المسؤولية الوطنية، والأنشطة التي تُنمّي روح المشاركة المجتمعية، والبيئة التعليمية التي تُقدِّم القدوة الحسنة في احترام النظام العام وصيانة المصلحة العامة.

ولا يقتصر الأمر على المؤسسات التعليمية وحدها، بل يمتد إلى الأسرة ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني؛ إذ إن بناء الولاء للوطن عملية تكاملية تشترك فيها جميع الأطراف، وتتضافر فيها الجهود لصناعة وعي متوازن يجمع بين الانتماء والاعتدال. فخيانة الوطن ليست مجرد مخالفة قانونية، بل جريمة أخلاقية عظيمة لما تترتب عليها من أضرار تمس أمن المجتمع ووحدته، وهو ما يقتضي تربية الأجيال على إدراك خطورة هذه الممارسات منذ المراحل المبكرة، حتى يظل الوطن مصوناً بعقول أبنائه قبل أسواره.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر