التابع والمتبوع
ليست كل جريمة يرتكبها موظف تتحمل مسؤوليتها جهة عمله، فالفاصل الحقيقي الذي يقف عنده القضاء ليس «من ارتكب الفعل»، بل «هل ارتكبه بسبب وظيفته أم خارجها؟».
ومن القضايا الدالة على ذلك، واقعة موظف استغل وظيفته في ارتكاب جريمة أُدين بموجبها جزائياً، كما أُلزمت الشركة التي يعمل بها بسداد جزء من التعويض المقضي به لمصلحة المجني عليه، نظراً إلى استخدام نظامها الإلكتروني في تنفيذ الجريمة.
الشركة، من جانبها، التزمت بسداد المبلغ المحكوم به، لكنها لم تقف عند هذا الحد، بل عادت قضائياً على موظفها، وقضت المحكمة لمصلحتها بإلزامه برد ما تكبّدته من خسائر. وهنا تكشف القضية بوضوح أن المتبوع، وهو «الشركة»، قد يُسأل أمام الغير عن خطأ تابعه إذا ارتبط الفعل بوظيفته، لكنه يحتفظ بحقه في الرجوع عليه باعتباره المسؤول الأصلي عن الضرر.
وفي المقابل تبرز قضية أخرى ترسم الحد الفاصل لهذه المسؤولية. فقد تسبب عامل بإحدى شركات المقاولات في وفاة شخص داخل موقع مجاور، وأدين جزائياً، فأقام الورثة دعوى مدنية مطالبين الشركة بالتعويض، إلا أن المحكمة رفضت الدعوى، تأسيساً على أن الجريمة لم تقع أثناء تأدية العمل، ولا بسببه، ولم تُسهم الوظيفة في تمكينه من ارتكابها.
هذا التمييز يجد سنده الصريح في قانون المعاملات المدنية، وتحديداً في المادة (313)، التي تقرر أنه لا يُسأل أحد عن فعل غيره، ومع ذلك يجوز إلزام المتبوع بالتعويض إذا وقع الفعل الضار من التابع أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، أو إذا كانت الوظيفة قد هيأت له فرصة ارتكابه.
ولعل المثال الأكثر حضوراً في هذا السياق يظهر في قضايا الأخطاء الطبية؛ فحين يرتكب طبيب أو أحد أفراد الطاقم الطبي خطأ مهنياً داخل مستشفى، أثناء أداء عمله أو باستخدام أدوات ومرافق المؤسسة، فإن المسؤولية لا تقف عند حدود الشخص المخطئ، بل تمتد إلى المستشفى ذاته، باعتبار أن الخطأ وقع في إطار الوظيفة وبسببها.
الرسالة التي ترسخها هذه الأحكام واضحة: المؤسسات لا تُحاسب على مجرد وجود الموظف، بل على ما يفعله «باسمها» أو «بسببها»، فإذا تحولت الوظيفة إلى أداة لارتكاب الخطأ، امتدت المسؤولية إليها، أما إذا ظل الفعل شخصياً، منفصلاً عن العمل، بقيت المسؤولية في نطاقه الفردي.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.