أمر قضائي

*إعلامي

عيسى عبدالله الزرعوني*

صديقي كان يُعاقَب لأنه لا يريد أن يخرج.
قبل تسع سنوات في الخدمة الوطنية، كنا نعدّ ساعات الخروج. الحقائب جاهزة، والعيون على البوابة. الجميع ينتظر 48 ساعة إجازة.. إلا هو.
سألته: من يتعمد الحرمان؟
قال: «الخارج فيه 37 قضية واتصالات البنوك والناس.. وهنا أهدأ».
هنا فهمت فقط كيف يصبح الحجز راحة.
مرّت السنوات وبعد تسعة أعوام، دعاني إلى مكتبه، طابق كامل وشركات وحركة لا تهدأ. الشخص نفسه الذي كان يهرب من هاتفه صار يمتلك ما يجعل الهاتف لا يسكت.
قلت له: كيف؟
قال: «وصلت إلى مرحلة كنت أطلب فيها من الجمعيات الخيرية عشان أعيش. بعدها دخلت العملات الرقمية و(طلعت) بملايين الدراهم. وقبل زواجي الجديد بأسابيع، خسرت كل شيء للمرة الثانية.. من قمة إلى لا شيء».
ثم قال: «هنا عرفت.. يا أوقف، يا أبدأ صح».
بحث عن وظيفة وطرق أبواباً يعرفها، واتصل بزملاء قدامى، وقَبِل بأقل من خبرته فرفضوه. ليس لأنه لا يصلح، بل لأن «مؤهلاته وخبراته عالية!».
المشكلة لم تكن أنه بلا عمل.. المشكلة أن السوق فهمته قبل أن تفهمه الوظائف. خبراته صارت عائقاً، وشهاداته تهمة. وفي بعض المكاتب، لا يُقاس القرار بالكفاءة بقدر ما يُقاس بمن يشبهك. وليس كل رفض حكماً عليك.. أحياناً هو عجز عن استيعابك.
هنا تغيّر المسار.
في هذه البلاد القاعدة مختلفة: من يأتِ إليها بلا شيء يتعلّم كيف يلتقط الفرصة بسرعة.
ومن ينتظر «الفرصة المناسبة» قد لا يبدأ أصلاً. لم يبحث عن «فرصة» تناسبه، بل سأل نفسه: ماذا أملك فعلاً؟
لسان وجرأة وقدرة على البيع. دخل السوق من أضيق أبوابها، في أعمال لا يقترب منها أحد.. وهناك بنى كل شيء.
القصة ليست حظاً، بل وضوح. أنْ تعرف ماذا تمتلك وتراهن عليه، حتى لو بدأت من مكان لا يشبهك. وأحياناً، «الأمر القضائي» الذي يُطاردك هو نفسه الذي يدفعك إلى مكانك الصحيح.
وسؤال واحد يكفي:
هل تبحث عن باب يناسبك أم «مستعد تدخل من أي باب وتفرض نفسك؟».
لأن مَن يستمر في الطرق لابد أن يُفتح له.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

 

تويتر