تأخرت 30 عاماً

عضو سابق في المجلس الوطني الاتحادي

عائشة محمد سعيد الملا

تشكو اليوم برود ابنك، وعدم تجاوبه، وضعف تقديره لك، وأنت إلى جواره، تقاعدت أخيراً، واعتقدت أن هذه بداية حياتك الأخرى؛ مرحلة الحصاد بعد سنوات العطاء، لكنك تفاجأ بأمور لم تعهدها داخل بيتك: رأيك لا يُطلب، وحديثك لا يُستمع إليه كما كنت تتوقع، وأهل بيتك ينفرون من تدخلك، لا أحد يجاري حكاياتك، ولا أحد يستقبلك بما ظننت أنه استحقاقٌ طبيعي بعد سنوات طويلة أفنيتها في العمل وبناء هذا البيت، كنت تتخيل أن هذه المرحلة ستكون تتويجاً لعمرك، فإذا بك تصطدم بواقع مختلف تماماً، لكن.. عد إلى الوراء قليلاً.

لقد أمضيت سنوات طويلة لا ترى أبناءك فيها إلا نادراً، كنت تخرج إلى العمل صباحاً، وإلى الأصدقاء مساءً، ولا تصل المنزل إلا بعد أن أنهكك يومك، فتدخل البيت وقد نام الأطفال، تستيقظ مبكراً قبل أن يفتحوا أعينهم، فتغادر من جديد، تمر الأيام، وتتحول العلاقة إلى حضور جسدي وغياب عاطفي.

في عطلة نهاية الأسبوع، كنت تختار الخروج مع أصدقائك، تاركاً أبناءك مع والدتهم، يأتيك ابنك بسؤال بسيط، فتجيبه: «اذهب إلى أمك، أنا مشغول الآن»، يدعوك للخروج، فتعتذر بانشغالك، يمر بموقف صعب، فيطلب دعمك، فتقول له: «تصرّف.. أنت رجل»، وهكذا، شيئاً فشيئاً، انسحبت بهدوء من تفاصيل حياتهم، من لحظاتهم الصغيرة، من أسئلتهم البريئة، من احتياجهم لك، لم تغب مرة واحدة، بل غبت ألف مرة.. حتى اعتادوا غيابك، كبر الأبناء.. لكنهم كبروا من دونك.

إن العلاقة لا تُبنى في الكِبر، بل تُزرع في الصغر. والبر لا يأتي فجأة، ولا يُفرض كواجب عند الحاجة، بل هو انعكاس لما عايشه الأبناء، وما تعلموه من سلوكك معهم، ما تراه اليوم ليس جحوداً بقدر ما هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من الغياب. أنت من علمهم، دون قصد، أن هذه هي طبيعة العلاقة: مسافة، وغياب، وانشغال.

قد تشعر اليوم بأن الأم استحوذت على قلوبهم، وأن البر كله اتجه نحوها، لكن الحقيقة أنها لم «تأخذه»، بل اكتسبته، فقد كانت حاضرة حين غبت أنت، كانت هناك عندما مرضوا، تسهر الليالي إلى جوارهم، تقلق عليهم وتطمئنهم، كانت تساعدهم في واجباتهم، وتتابع يومهم، وتشاركهم تفاصيلهم الصغيرة، وتفرح لفرحهم، وتحزن لحزنهم، كانت الصوت الذي يسمعونه، واليد التي تمسك بهم، والقلب الذي يحتويهم، ضعفهم بالأمس هو ضعفك اليوم، تلك سنوات لا تُعوّض.. وقد مضت، «بروهم صغاراً يبروكم كباراً».

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

 

تويتر