صناعة الوعي الوطني

مؤسس سهيل للحلول الذكي

محمد سالم آل علي

في كل أزمة تمرّ، يطفو على السطح سؤال: من يوصل صوت الوطن حقاً؟ هل هم الإعلاميون الذين تمرّسوا على الاحترافية، وتشرّبوا أخلاقيات المهنة، وتعلموا أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون شهرة؟ أم من يسمون بمشاهير ومؤثري التواصل الاجتماعي الذين يقفزون إلى الواجهة كلما اشتعلت أزمة، يفتون بآرائهم أمام ملايين المتابعين، ثلة بدافع وطني صادق، وكثير بدافع «التريند» لا أكثر.

المشهد الإعلامي تغيّر، والناس باتوا يتلقون أخبارهم من هواتفهم، ومن المؤثرين قبل الإعلاميين المهنيين، لكن هل يعني ذلك أن المشاهير أصبحوا البديل للإعلاميين؟ أم أن الأزمة تكشف الفارق الحقيقي بين الإعلام الرصين ورويبضة التواصل الاجتماعي؟

الإعلامي الحقيقي كما نعرفه، لا يكتب ليُصفّق له أحد، ولا يظهر على الشاشة ليجمع الإعجابات، الإعلامي يعمل لأن لديه رسالة، ولأن الوطن بالنسبة له ليس «محتوى»، بل قضية، حين يتحدث، فهو يستند إلى معلومة، وإلى سياق، وإلى فهم عميق لطبيعة الموضوع وتعقيداته، وحين يخطئ، يصحّح ولا يبرر بدموع التماسيح، وحين يختلف، يختلف بأدب ومسؤولية.

أما المؤثر المزعوم، فقصته مختلفة، هو ابن اللحظة، ابن السرعة، ابن «التريند»، قد يملك حضوراً ظاهرياً، وقدرة على الوصول إلى جمهور واسع بالتصنع والتمثيل، لكن السؤال الجوهري هو: هل يملك المؤثر الأدوات التي تجعل صوته وطنياً رصيناً؟ وهل يدرك أن الكلمة في وقت الأزمات ليست مزحة، وأن الانفعال ليس بديلاً عن الوعي الذي يصنعه الإعلام الرصين المتزن. لا أحد ينكر أن بعض المؤثرين لعبوا أدواراً وطنية مشرّفة، ونقلوا رسائل إيجابية أسهمت في نشر الوعي بين الناس. لكن في المقابل، هناك من حوّل الأزمات إلى فرصة لزيادة المتابعين، وإلى مساحة لاستعراض الذات، فالرويبضة يشوّه صورة الإعلامي الحقيقي والمؤثر المتخصص الذي يعمل بوعي وضمير.

لذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام جيل جديد من المؤثرين القادرين على حمل صوت الوطن بوعي ومسؤولية؟ أم أننا ما زلنا نعيش تحت رحمة «التريند» الذي يرفع من لا يستحق، ويُهمش من يعمل بصمت وإخلاص؟

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

تويتر