التعويض بين المبالغة والعدالة
في كثير من القضايا المدنية، يتقدم المتضررون إلى المحاكم بطلبات تعويض بمبالغ كبيرة، اعتقاداً بأن مجرد وقوع الخطأ أو ثبوت المسؤولية يكفي للحصول على كامل المبلغ المطالب به، غير أن الواقع القضائي يكشف أن تقدير التعويض يخضع لمنطق قانوني مختلف، يقوم على مبدأ أساسي، هو جبر الضرر بقدر ما وقع فعلاً، لا بقدر ما يطلبه الخصوم.
القانون المدني في دولة الإمارات وضع إطاراً واضحاً لهذا المبدأ، فالمادة 282 تقرر أن كل إضرار بالغير يلزم فاعله ضمان الضرر، بينما تؤكد المادة 292 أن التعويض يقدر بقدر ما لحق المضرور من خسارة، وما فاته من كسب، بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار، كما يمتد التعويض ليشمل الضرر الأدبي وفق المادة 293، مثل المساس بالاعتبار أو المعاناة النفسية.
لكن هذه النصوص تمنح القاضي في الوقت ذاته سلطة تقديرية واسعة في تحديد مقدار التعويض، فالمحكمة لا تنظر فقط إلى وقوع الخطأ، بل تبحث في حجم الضرر الحقيقي، ومدى ثبوت العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة، كما تنظر إلى الأدلة التي يقدمها المدعي لإثبات ما يدعيه من خسائر.
ولهذا كثيراً ما نشهد فجوة كبيرة بين المبلغ المطلوب والمبلغ المقضي به، ففي إحدى القضايا التي نظرتها المحاكم أخيراً، طالب مدعٍ بتعويض قدره أربعة ملايين درهم، بعد معاناة طبية قاسية نتيجة تشخيص خطأ، إلا أن المحكمة بعد دراسة عناصر المسؤولية والأضرار المقدمة في الدعوى، انتهت إلى منحه تعويضاً محدوداً، بعدما رأت أن بعض الأضرار المادية المدعاة لم يثبت ارتباطها المباشر بالخطأ محل النزاع.
هذه الأحكام لا تعني التقليل من معاناة المتضررين، لكنها تعكس فلسفة قانونية مستقرة، مفادها أن التعويض ليس وسيلة للإثراء، بل أداة لإعادة التوازن بعد وقوع الضرر، لذلك فإن عبء الإثبات يقع دائماً على عاتق المدعي لإثبات حجم الضرر الذي يدعيه، ومدى ارتباطه بالفعل الضار.
ومن هنا تأتي أهمية الوعي القانوني عند اللجوء إلى القضاء، فنجاح دعوى التعويض لا يعتمد فقط على إثبات الخطأ، بل على إثبات الضرر نفسه وتحديد قيمته بدقة.
في النهاية، يبقى القضاء هو الجهة التي توازن بين هذه العناصر جميعاً، ليُصدر حكماً يحقق العدالة بين الأطراف دون إفراط في التقدير أو تفريط في حقوق المتضررين.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.