قانون السكن المشترك يعزز جودة الحياة
في المدن الكبرى، لا تكون القوانين مجرد نصوص تنظّم العلاقة بين المالك والمستأجر، بل أدوات لحماية جودة الحياة ذاتها. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة صدور القانون رقم (4) لسنة 2026 في دبي، لتنظيم السكن المشترك، كخطوة تشريعية تعكس رؤية عمرانية واجتماعية، تقوم على مبدأ واضح: أن النمو الحضري لا يمكن أن يستمر من دون قواعد تحمي الإنسان والمكان معاً. ويمثل هذا القانون نقلة نوعية في تنظيم أحد القطاعات الحيوية في دبي، ويعزز مستويات الشفافية والعدالة في السوق العقارية. كما يجسد نموذجاً متقدماً في الموازنة بين متطلبات المرونة الاقتصادية والحفاظ على جودة الحياة، ويأتي في إطار نهج دبي المستمر في تطوير بنيتها التشريعية بما يواكب مكانتها العالمية كمدينة جاذبة للعيش والعمل والاستثمار.
كذلك، يعكس القانون استجابة استباقية للتحديات التي قد يفرضها النمو السكاني والاقتصادي المتسارع، مع الحرص على صون المظهر الحضاري للأحياء السكنية، والحفاظ على استدامة بيئتها العمرانية. خلال السنوات الماضية، تحوّل السكن المشترك في بعض المناطق إلى ظاهرة تتجاوز مفهومه الأصلي، فبدلاً من أن يكون خياراً اقتصادياً منظماً لبعض الفئات، ظهر في صور عشوائية مثل تقسيم الشقق إلى غرف صغيرة أو ما يعرف بـ«البارتيشن»، واستغلالها في التأجير من الباطن. ولم تكن هذه الممارسات مجرد مخالفة تنظيمية، بل حملت أبعاداً إنسانية وحقوقية أيضاً، إذ قد يجد بعض القاطنين أنفسهم في مساحات ضيقة تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير السلامة والصحة، أو في عقود غير واضحة تحرمهم الحماية القانونية.
وجاء القانون الجديد لسد هذه الفجوة التنظيمية، إذ لن يكون السكن المشترك متاحاً إلا بتصريح رسمي، وفق معايير تحددها بلدية دبي، بالتنسيق مع دائرة الأراضي والأملاك، وتشمل عدد القاطنين، والمساحة المخصصة لكل فرد، ومتطلبات الصحة والسلامة. كما يمنع القانون المستأجرين من إعادة التأجير من الباطن، وهي ممارسة تحولت في بعض الحالات إلى نشاط غير منظم خارج الأطر القانونية. ولا يقتصر التشريع على المنع والعقوبات، بل يؤسس منظومة متكاملة لإدارة هذا النوع من السكن، من خلال منصة رقمية لاستقبال طلبات التصاريح، وسجل إلكتروني لتوثيق البيانات، إضافة إلى مؤشر دوري لبدل إيجار الوحدات المخصصة للسكن المشترك، بما يعزز الشفافية في هذا القطاع الحيوي. ومن زاوية إنسانية، يحقق القانون توازناً مهماً بين حق المدينة في التنظيم، وحق الأفراد في سكن لائق وآمن، إذ إن تنظيم الكثافة السكانية، وفرض معايير السلامة لا يحمي البنية التحتية فحسب، بل يحفظ كرامة الإنسان داخل هذه المساحات.
أما الغرامات التي قد تصل إلى مليون درهم، فهي رسالة واضحة بأن جودة الحياة في دبي ليست قابلة للمساومة، وأن استغلال حاجة الناس إلى السكن لن يبقى مساحة رمادية خارج القانون. وبذلك يعكس هذا التشريع النهج الذي تبنته دبي لسنوات، وهو استباق التحديات قبل تفاقمها، بما يرسخ استدامة النمو، ويحافظ على جودة الحياة في الإمارة.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.