عندما يكون الحب أملاً

محامي وكاتب إعلامي

د. يوسف الشريف

الحب في جوهره أمل.

أمل أن يجد الإنسان من يطمئن إليه، من يفهمه دون كثير شرح، من يشعر معه بأن الحياة أقل صخباً وأكثر معنى، لكن المشكلة لا تبدأ من الأمل ذاته، بل من الصورة التي نُعلّقها عليه.

قبل أسابيع، جلس أمامي شاب في أوائل الثلاثين. ناجح، مستقر، لا يعاني عائقاً ظاهراً. سألته عن سبب تأخر زواجه، فقال بثقة: لم أجد من تناسبني بالكامل. وحين فصّل، اتضح أن «بالكامل» تعني تشابهاً شبه مطلق في الاهتمامات وطريقة التفكير، وحتى الإحساس بالمواقف اليومية. كان يبحث عن نسخة محسّنة منه، لا عن شريكة حياة.

تمرّ فرص جيدة، لكن يتم استبعادها لأن الإحساس لم يصل إلى سقفٍ مرسوم سلفاً. يتحول الأمل إلى معيارٍ تعجيزي، ويصبح الانتظار موقفاً مريحاً يجنّب صاحبه اختبار الواقع.

المشكلة أن بعضنا لا يبحث عن الحب فعلاً، بل عن ضمانٍ عاطفي مستحيل. يريد علاقة بلا خيبة، وشريكاً بلا نقص، وحياة بلا تقلب. نرفع سقف التوقعات باسم «الوعي»، ونبرر الخوف باسم «المعايير»، وننسحب من التجربة بحجة أننا لم نشعر بذلك الإحساس الكامل. الحقيقة أن جزءاً من هذا السلوك ليس نضجاً، بل حذر مفرط يخفي خوفاً من الانكشاف، فالحب الحقيقي لا يكشف عيوب الآخر فقط، بل يكشف هشاشتنا نحن أيضاً.

غير أن المثالية لا تتوقف عند حدود غير المتزوجين.

أحد الأزواج اشتكى «برود المشاعر». لم تكن هناك خيانة ولا أزمة كبيرة، بل مقارنة دائمة بين وهج البداية وهدوء السنوات. ظن أن تغير الإيقاع يعني تراجع الحب، بينما كان ما يحدث انتقالاً طبيعياً من العاطفة المتوهجة إلى الشراكة العميقة.

أما المنفصل، فكثيراً ما يكون انفصاله نتيجة صدمة التوقعات. أحد الطرفين لم يتزوج إنساناً بضعفه وقوته، بل تزوج صورةً ذهنية. وعندما اصطدم بالصورة الواقعية، ظن أن الحب انتهى، بينما الذي انتهى هو الوهم.

المعضلة في زمننا ليست قلة العلاقات، بل تضخم التوقعات. وسائل التواصل صنعت نموذجاً مصقولاً للحب، فنقارن يومياتنا بلحظات منتقاة من حياة الآخرين، فنظلم واقعنا.

الحب ليس تطابقاً كاملاً، بل قدرة على إدارة الاختلاف دون أن يفقد كل طرف ذاته. وليس ضماناً بعدم الألم، بل استعداد لتحمّل مسؤولية المشاعر.

الحب ليس وعداً بالكمال، ولا ضماناً ضد الخيبة، ولا شهادة تأمين ضد الألم. هو قرار واعٍ بالدخول في علاقة إنسانية بكل ما تحمله من اختلاف وتغيّر ونقص. من ينتظر علاقة بلا نقص سيبقى ينتظر، ومن يظن أن الشعور وحده يكفي سيصطدم حين يتبدل الإحساس مع ضغط الحياة.

الأمل جميل.. لكنه لا يغني عن النضج.

والحب لا يُقاس بوهج بدايته، بل بقدرتنا على الاستمرار فيه بوعي.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

 

تويتر