تاج الفضائل

*باحث في العلوم الإنسانية

ناصر سالم سيف الدرعي

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتداخل فيه الآراء، تبرز الحكمة بوصفها حاجةً إنسانية وأخلاقية ملحّة، ولذلك عدّها الحكماء من أجلِّ النعم التي يُنعم الله بها على عباده، فهي تاج الفضائل، وميزان الرشد، وأصل الاتزان في الفكر والسلوك، وبها تستقيم حياة الأفراد، وتترسخ دعائم المجتمعات.

ومن خصال الإنسان الراسخة: الحكمة في القرار، والثبات في الموقف، والوفاء للقيم في أوقات الرخاء والشدّة؛ فيأخذ من الأخلاق أحسنها، ويتنزّه عن رذائلها. وهي خصال لا تُنال بالادّعاء، ولا تُقاس بكثرة الأقوال، وإنما تُعرف بالسلوك العملي، وبالمواقف الفاصلة التي تكشف صدق المبادئ ورجاحة العقول.

ولذلك جاء التوجيه النبوي مؤكداً على التأنّي واجتناب العجلة، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«التأني من الله، والعجلة من الشيطان».

فالحكيم لا يُسلم نفسه للانفعالات اللحظة، ولا يستجيب لضغط العاطفة، بل يمنح العقل فرصة للتأمل، ويترك للنفس زمناً لتستقر، حتى تتضح الرؤية وتنكشف العواقب، فينظر إلى الأمور بنور البصيرة لا باندفاع الشعور.

كما تقتضي الحكمة القدرة على التمييز بين الحقيقة والضجيج، خاصة في زمن كثرت فيه الأصوات، وتنوعت المنابر، واختلط فيه الرأي بالمعلومة. وقد عبّر الفيلسوف أفلاطون عن هذا المعنى حين جعل الحكمة أعلى الفضائل، واعتبرها معرفة الخير الحق والقدرة على اختياره والعمل به؛ فالحكمة ليست معرفة ذهنية مجردة، بل بصيرة تهدي إلى الصواب، وتضبط السلوك، وتقوم به حياة الإنسان والمجتمع.

وتتجسد الحكمة العملية في الاتزان: اتزان يوجّه القرار، وثبات يحفظ القيم، ووفاء يعلو على نزوات المصالح وتقلبات الأهواء. وهي حالة من الانسجام بين العقل والضمير، وبين الرؤية والمسؤولية، تجعل الإنسان أقرب إلى الصواب، وأبعد عن الاضطراب.

ومن أُوتي الحكمة، وُقي شر الفتن، وحَسُن أثره في الناس، وصدق فيه قول الله تعالى:

﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، أي من منحه الله الفهم السديد، ورجاحة العقل، وحُسن التقدير، فيعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يُقدِم ومتى يتراجع، فيضع الأمور في مواضعها، ويزن الأفعال بميزان العواقب.

وهكذا تبقى الحكمة زاد العقول، وحارس القيم، ونبراس الطريق في أزمنة التقلّب والاختبار؛ بها يستقيم السلوك، وتصفو القرارات، ويعلو شأن الإنسان علماً وخلقاً. فمن جعل الحكمة ميزانه، سلم من مزالق الهوى، وسار على درب الرشد، وكان أثره نافعاً، وذكره طيباً، وثمرته باقية في الدنيا، وأجره موفوراً في الآخرة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر