رمضان في ذاكرتي

عضو سابق في المجلس الوطني الاتحادي

عائشة محمد سعيد الملا

رمضان خير الشهور، بكل ما فيه من تفاصيل الحياة، خير تقويم وتزكية للنفس، أيام معدودات تعود فيها الروح إلى بساطتها، والبيوت إلى دفئها. أستعيد في كل عام صورة طبق الفرني الذي كانت تُعدّه أمي، ذلك الطبق الذي كنت أعدّ الدقائق عائدة من المدرسة لأجلس قرب المطبخ مترقبة لحظة سكبه في الصحون. وكنت - من فرط حبي له - أحرص على تناول الثُّفل في أسفله، ذلك الجزء المتماسك الذي كنت أراه كنزاً صغيراً لا يشاركني فيه أحد، لايزال الفرني حتى اليوم حاضراً في البيت الإماراتي، يزاحم الجلي والكسترد، لكنه يظل مختلفاً، لأنه يحمل نكهة الذاكرة قبل نكهة المحليات الصناعية.

وجدر الهريس لم يكن مجرد قدر يُطهى فيه الطعام، بل رمز لجمع القلوب، كان يوضع في منتصف المجلس كأنه نقطة التقاء، تلتف حوله العائلة، ويتوافد الجيران، صوت الملاعق، ورائحة السمن، وهدوء الانتظار حتى يحين وقت الإفطار، كلها تفاصيل كانت تصنع معنى المشاركة الحقيقي.

أما فوازير رمضان، فكانت مساحتي الصغيرة للمنافسة. أشارك بحماسة، أختبر معلوماتي، وأحاول أن أسبق إخوتي بالإجابة. لم تكن مجرد لعبة، بل تدريب على التفكير، وفرصة لصناعة ذكريات جماعية يختلط فيها الضحك بالتحدي.

وبعد صلاة التراويح، تأتي اللقيمات، تلك الكرات الساخنة والذهبية، يغمرها الدبس أو العسل، كأنها مكافأة اليوم الطويل. نجلس في سكينة الليل، والأحاديث تنساب بلا استعجال، فيصبح الوقت أكثر رحابة، واللحظة أكثر عمقاً.

رمضان عندنا له مكانته الخاصة. لا نعرف هل هو الذي منح الأشياء هذا الطعم المختلف، أم أن ما كنا نفعله معاً هو ما منح الشهر معناه. ربما السر في الاثنين معاً، في روح الشهر وفي القلوب التي تجتمع فيه، فتصنع من التفاصيل الصغيرة ذاكرة لا تغيب.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

تويتر