ثمن التكرار.. عقاب
يتقدّم العميل بشكواه، لا رغبة في خصومة، بل بحثاً عن إنصاف. ينتظر أسبوعاً، ثم شهراً، وربما أكثر. يكرر الاتصال، يرفق المستندات، يعيد سرد القصة من بدايتها. وفي النهاية يُقال له: «تمت المعالجة». لكن ما لم يُعالج هو أثر التباطؤ ذاته.
المشكلة لا تكمن في خطأ عابر، بل في تكرار الشكاوى ضد الجهة نفسها. بنك تتكرر عليه شكاوى الرسوم أو التأخير، شركة اتصالات تعيد الخطأ ذاته في الفواتير، محل تجاري يماطل في الاسترجاع، ومكتب استقدام يتراخى في إعادة حقوق المستقدم أو في تنفيذ التزاماته العقدية.
حين تتعدد البلاغات من أكثر من متعامل خلال فترة زمنية واحدة، فنحن لا نكون أمام سوء فهم فردي، بل أمام خلل مؤسسي واضح.
وهنا يجب أن تُقال العبارة بصراحة: الشكوى التي تتكرر بلا أثر، تتحول من وسيلة حماية إلى شهادة براءة ضمنية للمخالف.
إذا كانت الجهة المخالفة لا تدفع ثمن تكرار الإخلال، فلماذا ستُصلح سلوكها؟ لا يكفي تنبيه، ولا تكفي تسوية خاصة تُغلق الملف دون انعكاس عام. المطلوب نظام عقوبات تصاعدية حقيقية: غرامات مؤثرة، نشر المخالفات، إلزام بخطط تصحيح، بل وقف بعض الامتيازات عند التكرار الجسيم.
والأهم من ذلك، إلزام الجهة المخالفة بتعويض المتعامل. لأن الوقت قيمة، والضغط النفسي ضرر، و«حرق الأعصاب» ليس تفصيلاً عابراً. المؤسسة التي لا تتحمل كلفة التأخير ستظل ترى في المماطلة خياراً مريحاً.
وفي ملف مكاتب استقدام العمالة تحديداً، لا يجوز أن تتكرر المخالفات دون مساءلة حازمة، ولا أن يبقى المستقدم عالقاً بين المكتب والجهة المعنية في وزارة الموارد البشرية والتوطين. الحزم هنا حماية للأسرة، قبل أن يكون تنظيماً للسوق.
لكن العدالة لا تكتمل بعقاب المخالف وحده. الجهة الرقابية نفسها مطالبة بسقف زمني ملزم لحسم الشكاوى. المفارقة أن المحاكم، رغم تعقيد إجراءاتها، قد تفصل في دعاوى أسرع من بعض الجهات الإدارية التي يقتصر دورها على التحقق والمتابعة.
هذا التناقض يضعف الثقة، ويمنح بعض المؤسسات شعوراً بالأمان غير المستحق.
المؤسسات القوية ليست التي تفتح قنوات شكوى متعددة، بل التي تجعل الخطأ مكلفاً، والتقاعس محاسباً، والحق سريع الوصول إلى صاحبه. عندها فقط تتحول الشكوى من معاناة... إلى عدالة.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.