إعلام جليس الأسرة

*متخصص في الاتصال والإعلام

عمر عبدالله الشبلي

في الحياة اليومية للناس لا يأتي الإعلام بوصفه خبراً عابراً بل ضيفاً دائماً يدخل البيوت ويشارك العائلة لحظاتها، ويؤثر بهدوء أو ضجيج، في طريقة التفكير والشعور واتخاذ الموقف، وحين يكون هذا الحضور واعياً ومتزناً يتحول الإعلام من مجرد ناقل للأحداث إلى صانع طمأنينة وشريك في السعادة.

في المجتمعات المستقرة، لا يُقاس الإعلام بارتفاع الصوت بل بعمق الأثر، هو ذلك الصوت الذي يفهم الناس قبل أن يخاطبهم، ويقترب من عقولهم دون استعلاء ومن قلوبهم دون ابتذال، إعلام يعرف أن دوره الحقيقي لا يبدأ من العنوان العريض بل من التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفرق في حياة الأسرة، ثم تمتد لتلامس وجدان المجتمع بأكمله.

ومن هذا الفهم تتشكل صورة الإعلام الشريك، إعلام يختار الإيجابية طريقاً والوعي منهجاً، والإنسان غايته الأولى، فيصنع خطاباً بسيطاً في لغته، عميقاً في أثره، قادراً على أن يظل في الذاكرة حتى بعد أن تُطوى الصفحة.

الإعلام حين يكون قريباً من مجتمعه، لا يتحدث من برج عالٍ، بل يجلس مع الناس، يفهم إيقاع حياتهم، ويخاطبهم بلغة بسيطة لا تُسطّح الفكرة، ولا تُعقّدها. والأهم، أنه يدرك أن أول من يستقبله كل يوم ليست المنصات، بل الأسر، حيث تتشكل الذائقة، وتُصاغ القيم، ويكبر الوعي خطوة بخطوة.

ومن هذا المنطق، تمتد الشراكة إلى المجتمع كله، فالإعلام القريب من الناس لا يبحث عن الإثارة السريعة، بل عن الأثر الباقي، ومن الممكن هنا أن نستحضر تجربة برنامج «غيث»، ذلك النموذج الذي قدّم الإعلام في صورته الإنسانية الأصدق؛ حيث لم تكن الكاميرا تبحث عن الدموع، بل عن الكرامة، ولم تُقدَّم القصص بوصفها مآسي، بل بوصفها فرصاً للأمل. هكذا يصنع الإعلام أثره الحقيقي.

وفي الأزمات، يظل هذا الإعلام وفياً لروحه، كما ظهر جلياً في الإحاطات الإعلامية لحكومة دولة الإمارات خلال جائحة «كوفيد-19». لم يكن الخطاب مشحوناً بالخوف، ولا مرتهناً للتخويف، بل اتسم بالوضوح، والهدوء، والشفافية، وفي تلك اللحظات لم يكن الإعلام ناقلاً للخبر فقط، بل شريكاً في إدارة الوعي، وحارساً لسكينة المجتمع.

عندما يكون الإنسان هو الغاية، يصبح الإعلام جليس الأسرة، وشريك المجتمع، ومرآة القيم التي نحيا بها، وقوة هادئة تعكس حياتنا، وتضيء الطريق حين تتعتم الصورة، ويزرع الثقة التي لا تزول، ليبقى في الذاكرة طويلاً بعد أن تُطوى الصفحات.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

تويتر