التنبؤ بالمستقبل الإجرامي للأطفال

* باحث زائر في جامعة هارفارد

د. كمال عبدالملك*

يثير سؤال قديم متجدّد اهتمام المجتمعات: هل يمكن التنبؤ بالسلوك الإجرامي لدى الأطفال قبل وقوعه؟ وهل تكشف الملامح والسمات المبكرة عن «مجرم محتمل»، أم أن الإنسان نتاج ظروف تاريخية واجتماعية متغيّرة لا تُختزل في مؤشرات ثابتة؟

في التراث العربي، عُرفت الفِراسة بوصفها فناً استدلالياً يقوم على قراءة الظاهر لمعرفة الباطن، أي استنتاج أخلاق الإنسان وطباعه من ملامحه وحركاته وسلوكه. ومن أشهر المؤلفات في هذا الموضوع، كتاب الفراسة لابن قيم الجوزية، ويعرض فيه قائمة من مواقف الفراسة عند العرب. وقد نُسبت إلى هذه القدرة قيمةٌ معرفية وأخلاقية، وعدّها بعضهم موهبة تُصقل بالخبرة والتقوى. وتروي المصادر العربية أخباراً عن قضاة وحكماء استدلّوا من إشارات دقيقة على أحوال الناس ونواياهم. غير أن هذا التقليد - كما يقرّ الباحثون المعاصرون -يقع ضمن ما يُسمّى اليوم «العلوم الزائفة»، إذ لا يقوم على دليل علمي قابل للتحقق.

وقد عرف الغرب بدوره اتجاهاً مشابهاً في القرنين الـ19 والـ20 عبر physiognomy ونظريات «المجرم بالفطرة»، التي ربطت بين ملامح الوجه والنزوع الإجرامي، لكن هذه النظريات استُخدمت أحياناً لتبرير العنصرية وسياسات الإقصاء، وتراجعت لاحقاً أمام النقد العلمي.

تبيّـن بعض الأبحاث أن ضعف ضبط النفس - الذي عُدّ سابقاً مؤشراً قوياً على الإجرام - تختلف آثاره باختلاف السياق الاجتماعي، ما يحدّ من القدرة التنبئية.

وتكشف هذه النتائج حدود أدوات التنبؤ الحديثة نفسها، مثل «مؤشرات تقييم المخاطر» المستخدمة في أنظمة العدالة الجنائية، إذ قد تبالغ في تقدير احتمال الجريمة عندما تعتمد على بيانات قديمة لا تعكس تحولات المجتمع.

وبين الرؤية العربية التقليدية التي تؤكد أثر السمات الفردية، والرؤية الغربية الحديثة التي تبرز دور البنية الاجتماعية والتاريخية، يظهر أن السلوك الإنساني أعقد من أن يُختزل في مؤشرات ثابتة أو علامات ظاهرة.

فهل يمكن إذاً الوثوق بمحاولات التنبؤ بالمستقبل الإجرامي للأطفال؟ الجواب الأقرب إلى العلم هو الحذر. فهذه المحاولات، سواء قامت على قراءة الملامح أو على نماذج إحصائية، تحمل خطر التعميم والوصم المبكر، وقد تتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها حين يُعامل الطفل على أساس احتمال الجريمة لا على أساس إمكان الإصلاح.

إن الإنسان ليس قدراً بيولوجياً ولا معادلة حسابية، بل كائنٌ يتشكل عبر تفاعلٍ مستمر بين ذاته ومجتمعه وزمنه. ولذلك، يبدو أن الطريق الأجدى ليس التنبؤ بالمجرم القادم، بل الاستثمار في ظروف اجتماعية وتربوية تحدّ من نشوء الجريمة أصلاً.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

تويتر