رمضان دبي.. اقتصاد لا يصوم

جابر محمد الشعيبي

في مدينة اعتادت أن تحوّل المواسم إلى فرص، لا يبدو أن الاقتصاد يأخذ إجازة في رمضان، بل يدخل مرحلة مختلفة من النشاط المنظّم الذي يجمع بين الروحانية والحركة التجارية المتصاعدة. فالشهر الفضيل في دبي لم يعد مجرد مناسبة دينية واجتماعية، بل أصبح موسماً اقتصادياً واضح المعالم، تنشط فيه قطاعات متعددة بوتيرة لافتة تعكس ديناميكية الإمارة وقدرتها على تحويل المناسبات إلى قيمة مضافة. مع حلول رمضان، ترتفع حركة الأسواق ومراكز التسوّق، وتزداد الحجوزات في المطاعم والفنادق، ويتوسّع نشاط التجارة الإلكترونية والعروض الترويجية. ويعكس هذا المشهد تفاعلاً طبيعياً بين الثقافة المجتمعية ونموذج دبي الاقتصادي القائم على المرونة والانفتاح والتنوّع. فالإمارة قادرة على استيعاب المواسم الدينية ضمن إيقاعها التنموي دون أن يتباطأ نشاطها، بل على العكس، يتحول الموسم إلى محفّز إضافي للحركة الاقتصادية. وتظهر بيانات الأداء الاقتصادي لعام 2024 الصادرة عن الجهات الرسمية في دبي ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الاستهلاك خلال الفترة الرمضانية مقارنة ببقية أشهر العام، خصوصاً في قطاعات الأغذية والمطاعم والخدمات المرتبطة بالضيافة والترفيه. هذا المؤشر يعكس قوة الطلب المحلي وجاذبية الإمارة للزوار الإقليميين والدوليين خلال هذا الموسم، كما يؤكد قدرة السوق على التكيف مع التحولات الموسمية وتحويلها إلى فرص نمو حقيقية. اقتصاد رمضان في دبي لا يقتصر على زيادة الإنفاق، بل يمتد إلى تنشيط سلاسل الإمداد ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، خصوصاً في مجالات التموين وتنظيم الفعاليات وخدمات التوصيل الرقمي. كما تتكامل الحركة الاقتصادية مع مبادرات المسؤولية المجتمعية والعمل الخيري، ما يخلق توازناً بين البُعد الاجتماعي والنشاط التجاري، ويعزز صورة دبي كمدينة تجمع بين القيم والابتكار. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الموسم تكمن في كيفية إدارته بذكاء. فتحويل النشاط الموسمي إلى أثر مستدام يتطلب تعزيز المحتوى المحلي في سلاسل التوريد، وتشجيع الابتكار في قطاعات الضيافة والتجارة الرقمية، ودعم روّاد الأعمال القادرين على تطوير منتجات وتجارب تتجاوز حدود الشهر الفضيل. كما يُمثل رمضان فرصة لتعزيز الاستهلاك المسؤول والاستدامة، بما ينسجم مع توجهات دبي المستقبلية في الاقتصاد الأخضر والتنمية المتوازنة.

في دبي، حيث تتقاطع الهوية المحلية مع الطموح العالمي، يظل رمضان مثالاً على قدرة المدينة على إعادة تعريف المواسم. إنه شهر للصوم روحياً، لكنه أيضاً شهر تتحرك فيه الأسواق بثقة، مؤكداً أن اقتصاد دبي لا يصوم، بل يتجدد بإيقاع يعكس مرونته واستدامته وتنافسيته على مدار العام.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

تويتر