النقد المبتذل

محامي وكاتب إعلامي

د. يوسف الشريف

أحياناً لا يحتاج النقد إلى أكثر من كلمة واحدة ليخسر معركته. تبدأ الفكرة متماسكة، والطرح هادئاً، ثم تنزلق عبارة مبتذلة فتُطفئ الضوء الذي كان يُراد له أن يكشف الخلل. في تلك اللحظة لا يسقط النص المنقود، بل يسقط النقد نفسه.

النقد في جوهره فعل عقل قبل أن يكون فعل لسان. هو تفكيك لبنية قول، وقراءة لسلوك في سياقه، ومساءلة لنتيجة في ضوء مقدماتها، لكنه متى ما تحوّل إلى إطلاق أوصاف، أو إلى اختزال الإنسان في خطأ، فقد حقيقته الإصلاحية. الفرق شاسع بين أن تُحلّل تصرفاً، وبين أن تحكم على صاحبه، وبين أن تناقش فكرة وأن تُسقطها بعبارة جارحة.

الناقد الذي يستبدل البرهان بالحدة يظن أنه أكثر جرأة، لكنه في الحقيقة يكشف حدود أدواته، فاللغة ليست زينة للفكرة، بل معيار صدقها. وحين يعجز عن جمع عبارة متماسكة تسلط الضوء على موطن الخلل، يلجأ إلى الابتذال ليعوّض نقص المنهج، فيبدو حاقداً أو عاجزاً عن التحليل.

والمفارقة أن هذا اللون من النقد قد يجد جمهوراً يستمتع به. ثمة من تشدهم المشاكسات، وتستهويهم المناظرات التي تتحول فيها الطاولة إلى ساحة صدام، حيث يرتفع الصوت ويغيب المعنى. غير أن التصفيق للصخب لا يصنع قيمة، كما أن كثرة المتابعين ليست شهادة نضج. أحياناً يكون الانجذاب إلى الإثارة تعويضاً عن غياب العمق، ويصبح الضجيج بديلاً سهلاً عن الفهم.

النقد الموضوعي لا يخاصم الأشخاص، بل يحاور الأفكار. يميّز بين الفعل وصاحبه، ويحلّل قبل أن يحكم، ويقترح بديلاً قبل أن يهدم، لأنه يدرك أن الغاية ليست انتصاراً لحظياً، بل ترقية للوعي.

وإذا تحوّل النقاش إلى استعراض، وغلبت الأخطاء حتى استحال الإصغاء، فالانسحاب ليس ضعفاً. أحياناً يكون «دعه عنك» حكمة حين لا تستقيم الحجة ولا يُرجى التصويب.

الكلمة مسؤولية، إما أن تكون سُلّماً نرتقي به نحو الحقيقة، أو حجراً نتعثّر به في طريقها. وبين الرصانة والابتذال لا تتحدّد قيمة النقد وحده، بل تتحدّد قيمة صاحبه أيضاً.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

تويتر