جرّب برع الإمارات

*إعلامي

عيسى عبدالله الزرعوني*

كنا صغاراً، نغضب من والدنا، نجمع ثيابنا في حقيبة المدرسة، ونعلن قراراً حاسماً: «سنغادر المنزل ولن نبقى»، نمشي حتى باب البيت، نضع أيدينا على المقبض، وقبل أن نفتح.. يتسلل الخوف، ونتراجع. لا لأننا عاجزون عن الرحيل، بل لأننا ندرك فجأة معنى الدفء.

هذا الشعور ذاته ستفهمه حين تجرّب العيش خارج المكان الذي اعتدت أن يسهّل عليك الحياة من دون أن تشعر. أن تكون وحدك حقاً، لا زائراً ولا سائحاً، بل مسؤولاً عن كل تفصيلة صغيرة.

هل تتذكر أول مرة سكنت بمفردك؟

ليست الحرية كما تخيلتها، بل الحسابات. قارورة الماء، البهارات، الوجبة الجاهزة. كل ما كان بدهياً في بيت الوالد صار بنداً في ميزانيتك. حتى الوقت نفسه يصبح عبئاً حين تُديره وحدك. العيش ليس مستحيلاً، لكنه مُرهِق، ويعلّمك أن الراحة ليست مجانية.

والأصعب من الكُلفة، غياب الطمأنينة. خارج الإمارات، ترك باب البيت مفتوحاً ليس تصرّفاً عفوياً. وضع الهاتف على الطاولة يحتاج إلى حذر. حتى الأناقة قد تتحول إلى عبء في مدينة أوروبية شهيرة تعرفها أنت؛ تخرج هاتفك فيُسرق، وتلبس بأناقة فتُسرق منك اللحظة قبل أن تصل.

في الإمارات، لم تكن تفكّر بكل هذا. لم تكن تُعيد ترتيب خطواتك أو تحسب مخاطر اليوم العادي. ليس لأنك محاط بالكاميرات، بل لأنك تعيش داخل مجتمع يحترم حق الآخر. لذلك، حين شاهدنا على «تيك توك» تحديات تُترك فيها مجوهرات وساعات ثمينة في الأماكن العامة بدبي، لم يكن المشهد استعراضاً، بل كان انعكاساً لواقع يومي: الثقة هنا ممارسة اجتماعية.

وتظهر هذه الروح أيضاً في طريقة إدارة الحياة. في أبوظبي، اختبر مسؤول رفيع سرعة الاستجابة لبلاغ سرقة، وصلت النتيجة خلال وقت قياسي، لكنه لم يكتفِ بها، وسأل فريقه: كيف نختصر الزمن أكثر؟ لأن ثواني أقل تعني قلقاً أقل، وإنساناً يصل إلى الطمأنينة قبل أن يتضخم الخوف.

ولهذا، حين يبلغ كثير من المقيمين سن التقاعد، لا يريدون المغادرة فوراً؛ ولذلك وفّرت لهم الإمارات إقامات مخصّصة للمتقاعدين وكبار السن، ومسارات إنسانية تمكّنهم من البقاء والعيش باستقرار وكرامة، لا كضيوف عابرين.

قد لا تشعر بذلك وأنت في الإمارات، فالطمأنينة لا تُحدث ضجيجاً، لكنها حين تغيب، تكشف ثمن ما كان بدهياً.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

تويتر