منطق المنظومة: كيف تدير الإمارات اقتصادها بعقل واحد؟
لم يكن تجاوز تجارة دولة الإمارات الخارجية غير النفطية حاجز التريليون دولار حدثاً رقمياً عابراً، بل هو مؤشر واضح إلى نضج نموذج اقتصادي بات يُدار بمنطق المنظومة الواحدة، لا بمنطق الملفات المنفصلة. فقد أظهرت البيانات الرسمية أن التجارة غير النفطية تجاوزت نحو 3.8 تريليونات درهم خلال عام 2025، مع نمو فاق 25% مقارنة بعام 2024، وارتفاع الصادرات غير النفطية إلى أكثر من 800 مليار درهم، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي حالة من التباطؤ وعدم اليقين.
هذه الأرقام لا تعكس توسعاً في حجم التبادل التجاري فحسب، بل تظهر تحولاً نوعياً في بنية الاقتصاد الوطني، حيث أصبحت التجارة نتيجة مباشرة لتكامل السياسات التجارية والاستثمارية والصناعية، فالاقتصاد غير النفطي يُشكّل اليوم أكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يؤكد أن التنويع لم يعد هدفاً مستقبلياً، وإنما بات واقعاً اقتصادياً تدعمه أدوات مؤسسية واضحة.
وقد أدت اتفاقات الشراكة الاقتصادية الشاملة دوراً محورياً في هذا التحول، حيث أسهمت في فتح أسواق جديدة أمام الصادرات الإماراتية، وتنويع الشركاء التجاريين. وتشير بيانات وزارة الاقتصاد إلى أن هذه الاتفاقات تغطي أسواقاً تُمثّل نحو 40% من سكان العالم، ما عزّز مرونة التجارة، وقلل الاعتماد على أسواق تقليدية بعينها.
في موازاة ذلك، لم تتعامل الإمارات مع اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية على أنها ظرف مؤقت، بل مسار استراتيجي طويل الأجل، فالاستثمارات في الموانئ والمطارات والبنية التحتية اللوجستية رسّخت موقع الدولة محوراً تجارياً يربط الشرق بالغرب، ومنحت التجارة غير النفطية قدرة أعلى على الاستمرار في بيئات عالمية مضطربة.
ولا يمكن فهم هذا الأداء الاقتصادي المتقدم بمعزل عن طبيعة التكامل بين إمارات الدولة، حيث يعمل الاقتصاد الوطني كسوق اتحادية واحدة، تتوزع فيها الأدوار بذكاء. فأبوظبي توفر العمق المالي والاستثماري والاستقرار طويل الأجل، في حين تُمثّل دبي بوابة التجارة والخدمات العالمية، وتدعم الشارقة القاعدة الصناعية واللوجستية، وتسهم الإمارات الشمالية في تنويع القاعدة الإنتاجية والأنشطة المساندة، هذا التكامل هو ما جعل النمو الاقتصادي نتيجة جماعية، لا إنجازاً مجزأً. وفي هذا السياق، تبرز خطوة دمج محفظة (ADQ) ضمن منظومة «لِعماد» كنموذج عملي للانتقال من إدارة استثمارات متوازية إلى إدارة متكاملة، تربط القرار الاستثماري بأولويات الاقتصاد الكلي وتعظم الأثر الاقتصادي.
ما حققته الإمارات اليوم ليس مجرد رقم قياسي، بل هو دليل على نجاح منطق اقتصادي يقوم على التنويع والتكامل والحوكمة، ويؤكد أن الاقتصاد الذي يُدار بعقل واحد هو الأقدر على الاستمرار في عالم سريع التغيّر.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.