ما الذي يعلّمه الألم؟

محامي وكاتب إعلامي

د. يوسف الشريف

يتداول الناس مقولة مألوفة: «الإنسان يتعلّم في ساعات البلاء ما لا يتعلّمه في سنين العافية»، وكأنها حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة. نردّدها بثقة، ونعلّق عليها كل خيبة باعتبارها درساً، وكل وجع باعتباره معلماً صادقاً. غير أن السؤال الذي نادراً ما نطرحه هو: هل كل ما نتعلّمه في البلاء تعلّم ناضج؟ أم أن الألم، أحياناً، يعلّمنا ما لا ينبغي أن نتعلّمه؟

لا نناقش هنا البلاء بوصفه قدراً إلهياً أو مساراً تربوياً، بل نناقش نوع الدروس النفسية والاجتماعية التي قد يخرج بها الإنسان وهو في موقع ضعف.

البلاء ليس لحظة حياد، هو حالة ضعف، وعوز، وخذلان، واختلال ميزان. الإنسان فيه لا يتعلّم وهو حرّ، بل وهو مضطر، لا يختار الدرس بوعي، بل يتلقاه تحت ضغط الخسارة، وفي مثل هذه اللحظات يكون الهدف الأول هو النجاة، لا الفهم، وتخفيف الوجع، لا بناء الحكمة.

خذ مثالاً اجتماعياً بسيطاً ومتكرراً: شخص تعرّض لخذلان من صديق، أو لإقصاء من محيط كان يظنه آمناً، يخرج من التجربة وهو يقول بثقة: تعلّمت ألّا أثق بأحد، الناس مصالح، القرب ضعف، تبدو هذه العبارات، في ظاهرها، حكمة مستخلصة من الألم، لكنها في حقيقتها ليست فهماً أعمق للناس، بل هي ردّ فعل متألم. هو لم يتعلّم كيف يميّز بين البشر، بل تعلّم كيف يغلق الباب على الجميع، حمايةً لنفسه من تكرار الخذلان.

هنا تتجلّى إشكالية التعلّم في البلاء. بعض الدروس التي يولّدها الألم ليست دروس نضج، بل آليات دفاع. الاستسلام يُعاد تسويقه على أنه واقعية، والقسوة تُقدَّم باعتبارها قوة، والانكفاء يُسمّى حكمة. وفي كل ذلك، لا يكون الإنسان قد تجاوز التجربة، بل حملها معه كمنظار يرى به العالم كله.

في المقابل، التعلّم في العافية مختلف. العافية لا تعني غياب الأخطاء، لكنها تمنح مساحة للتفكير الهادئ، والمراجعة المتأنية، والاختيار الحر. في العافية يمكن للإنسان أن يفهم من دون خوف، وأن يستخلص الدرس من دون أن يتحوّل إلى أسير له.

لا يعني هذا التقليل من قيمة الألم أو إنكار أثره، بل هو رفض لتقديسه، فالألم قد يكشف، لكنه لا يجب أن يكون المرجع الوحيد للفهم. ليس كل وجع معلّماً أميناً، وليس كل تعلّم عميق ناضجاً.

ربما نتعلّم في الألم أسرع.. لكن هذا لا يعني أننا نتعلّم أفضل.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

تويتر