الإقرار يحمي من الإنكار

*محكم ومستشار قانوني

محمد نجيب*

لم تعد دعاوى المطالبة بالمديونية مجرد منازعات فردية، بل صارت تتكرر بشكل يعكس تحولات أكثر في بنية العلاقات المالية والاجتماعية، وارتفاعاً في حجم القروض الشخصية المتبادلة بين الأفراد، والقائمة على الثقة والإقرارات المكتوبة.

فقهياً، يُعد الإقرار من أقوى وسائل الإثبات، وهي قاعدة لم تنشأ من فراغ، بل تهدف إلى تحقيق استقرار المعاملات، ومنع التحايل، وحماية الحقوق من الإنكار اللاحق.

المشرّع الإماراتي تبنى بدوره هذا المفهوم، حين أرسى في قانون الإثبات بالمعاملات المدنية والتجارية مبدأً واضحاً يُحمِّل المدعي عبء إثبات حقه، ويُتيح للمدعى عليه نفيه، لكنه في الوقت ذاته منح الإقرار قوة خاصة، متى جاء صريحاً، ومحدداً، ومحرراً بإرادة حرة، فالإقرار ليس مجرد قرينة، بل اعتراف قانوني يُغني عن باقي وسائل الإثبات، ما لم يُثبت العكس.

تشريعياً، لم يأتِ هذا الاتجاه من فراغ، بل انسجم مع فلسفة تشريعية تسعى إلى حماية الائتمان الخاص في مواجهة مخاطر الإنكار وسوء النية، فالمعاملات المالية غير المصرفية، رغم مرونتها، تظل أكثر هشاشة، لافتقارها إلى الضمانات المؤسسية التي توفرها البنوك، ومن ثم، كان لا بد من تعزيز حجية المستندات المكتوبة والإقرارات، باعتبارها العمود الفقري لهذه العلاقات.

وفي التطبيق القضائي، منحت المحاكم سلطة واسعة في تقدير جدية الادعاء بالمديونية، مستندة إلى ظاهر الأوراق وسلوك الخصوم، وما لا يدركه كثيرون أن غياب المدين - رغم إعلانه قانوناً - عن حضور الجلسات في هذا النوع من القضايا، لا يُفسَّر كإجراء شكلي فحسب، بل يُعد قرينة سلبية تُضاف إلى الأدلة القائمة، خصوصاً إذا اقترنت بإقرارات دين موقعة وثابتة، وهو توجه يعكس إدراك القضاء خطورة ترك الدائن بلا حماية أمام إنكار غير مُبرر.

ولا يمكن إغفال أن بعض المدينين يلجؤون، عمداً أو اضطراراً، إلى المماطلة أو الإنكار، مستندين إلى افتراض بأن عبء الإثبات يقع دائماً على الدائن، وأن الإقرار المكتوب لا يكفي وحده لحسم النزاع، غير أن القضاء دحض هذا التصور، مؤكداً أن الصمت في موضع الدفاع، والغياب عن ساحة الخصومة، لا يُنشئ حقاً، ولا يهدر دليلاً، وأن التزام اليوم لا يسقط بإنكار الغد.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

تويتر