حين يُعيد الأدب كتابة التاريخ

* باحث زائر في جامعة هارفارد

د. كمال عبدالملك*

لم يكن الاستعمار الأوروبي مجرد توسع عسكري أو مشروع اقتصادي، بل كان خطاباً أخلاقياً كاملاً قدّم نفسه باسم «التقدّم» و «إنقاذ الآخر من تخلّفه». غير أن هذا الخطاب، مهما بدا متماسكاً في وثائق السلطة، انكشف سريعاً حين واجهه الأدب، ذلك المجال الذي لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يعرّي ما تخفيه اللغة الرسمية، ويُعيد الصوت إلى من أُقصوا من التاريخ.

في نهاية القرن الـ19، كتب جوزيف كونراد «قلب الظلام» (1899)، فهز صورة الاستعمار من الداخل، لم يجعل الكونغو مسرحاً للبطولة الأوروبية، بل فضاء لانهيارها. «الظلام» في الرواية ليس إفريقياً، بل يسكن قلب الرجل الأبيض حين تُطلق يده بالسلطة المطلقة. لم يكن النص دفاعاً مباشراً عن المستعمَرين بقدر ما كان تشريحاً أخلاقياً للذات الاستعمارية، وقد فقدت كل ادعاء بالإنسانية.

بعد ستة عقود، جاء تشينوا أتشيبي ليكتب من الجهة التي ظلت صامتة طويلاً، في «الأشياء تتداعى» (1958)، لا يعود الإفريقي خلفية صامتة، بل مركز عالم متكامل بلغته وأساطيره ونظامه الاجتماعي. الاستعمار هنا ليس «لقاء حضارات»، بل قوة تفكيك بطيئة تحطم المعنى من الداخل. حين تتداعى الأشياء، لا ينهار البناء الخارجي فقط، بل تتصدّع الروابط واللغة وصورة الإنسان عن نفسه. بهذا لم ينقض أتشيبي كونراد، بل أكمل ما لم يكن في وسعه قوله.

دخل الأدب العربي هذا الحوار من زاوية أكثر تعقيداً، «في موسم الهجرة إلى الشمال» (1966)، يصور الطيب صالح الاستعمار علاقة نفسية وجسدية طويلة الأمد، لا تنتهي بانسحاب الجيوش، مصطفى سعيد ليس ضحية صافية ولا جلاداً واضحاً، هو نتاج علاقة غير متكافئة حاول أن ينتقم من المركز الاستعماري من داخله، فانتهى أسيراً له، الرواية لا تُدين الاستعمار وحده، بل تُدين أوهام الرد عليه بأدواته نفسها.

أما غسان كنفاني في «عائد إلى حيفا» (1969)، فيضعنا أمام وجه آخر للهيمنة: الفقد الذي لا يُستعاد، بيت مسلوب، وطفل نشأ في ديانة ولغة أخرى، وذاكرة بلا أرض، الاستعمار هنا ليس خطاباً ولا علاقة نفسية فقط، بل إعادة ترتيب قسرية للزمن والهوية، من يمتلك الماضي؟ ومن يحق له أن يقول «هذا ابني» أو «هذه أرضي»؟.

ما يجمع هذه الأعمال أنها ترى الاستعمار بنية تتجاوز الحدث التاريخي. إنه يترك شروخاً في الوعي والسرد وتعريف الذات. الأدب - في مواجهته - لا يكتب الماضي فحسب، بل يُحذّر من عودته بأقنعة جديدة.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه. 

تويتر