من دين مستحق إلى حق مهدر!

*محكم ومستشار قانوني

محمد نجيب*

ليس كل الخسائر في عالم التأمين ناتجاً عن حادث سير أو تلف مركبة، إذ تقع أحياناً على عاتق الإدارات، وبين كشوف الحسابات المؤجلة، حين يتحول «الحق الثابت» إلى «مطالبات تسقط بالتقادم».

قضية حديثة تصلح كمرآة كاشفة لواحدة من الإشكاليات في سوق التأمين، وهي إدارة المطالبات المتبادلة بين شركات التأمين، وحدود التقادم الزمني للدعاوى الناشئة عنها.

القضية - في جوهرها - لا تدور حول نزاع فردي، بل بين شركتين تعملان في قطاع التأمين، حيث قامت إحداهما بسداد تعويضات لمؤمنين لديها عن حوادث مرورية، كان المتسبب فيها مركبات مؤمنة لدى شركة أخرى.

الإجراء المعتاد في السوق معروف، السداد أولًا، ثم الرجوع بقيمة التعويض على شركة التأمين المتسببة، لكن الإشكالية بهذه الدعوى ليست في أصل الحق، بل في الزمن.

فمع تراكم المطالبات، وامتداد الفترات الزمنية، وصلت المديونية إلى ملايين الدراهم، وعندما وصل النزاع إلى القضاء، برز عنصر التقادم كعامل حاسم، إذ استبعد جزءاً غير قليل من المطالبات لمرور أكثر من ثلاث سنوات عليها.

القانون واضح في دعاوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار، وكذلك الدعاوى المرتبطة بعقود التأمين، إذ لا تُسمع بعد مرور ثلاث سنوات من تاريخ العلم بالضرر وبالشخص المسؤول عنه، وهي قاعدة تستهدف الاستقرار القانوني.

في الواقع العملي، تكشف هذه القضايا عن فجوة بين النص القانوني والممارسة اليومية داخل بعض شركات التأمين، فالتأخير في المطالبة، أو الاعتماد المفرط على التسويات الودية غير المنجزة، أو تراكم الملفات دون حسم، قد يحوّل المطالبة من «دين مؤكد» إلى «حق مهدَر».

القضية محل النقاش أظهرت أن جزءاً من المطالبات يعود إلى سنوات بعيدة، وهو ما دفع الخبراء – ومن بعدهم المحكمة – إلى استبعادها قانوناً، رغم ثبوتها محاسبياً.

هذه القضية، وإن كانت بين شركتين، إلا أنها تحمل دروساً، أهمها أن إدارة المطالبات ليست ملفاً محاسبياً فقط، بل مسؤولية قانونية زمنية، وأي تأخير في اتخاذ الإجراء القضائي قد يُفقد الشركة ملايين لا لسبب إلا مرور الوقت، وأن الاعتماد على «الأعراف بين الشركات» دون توثيق أو حسم نهائي، مخاطرة حقيقية.

في النهاية، القضية لا تتعلق بمن ربح أو خسر، بل بمن أدرك أن سوق التأمين، رغم ضخامته، تحكمه قواعد دقيقة، لا تتساهل مع من يترك الزمن يعمل ضده.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.

تويتر