العبقري وأسطورة العزلة
اعتدنا في الأدب والسينما والصحافة الثقافية، أن نُصوِّر العبقري ككائنٍ وحيد، شارد النظرات، يعيش على هامش المجتمع، ويتقدّم بالمعرفة قفزاً خارقاً لا يشاركه فيه أحد.
صورة جذابة ومثيرة، لكنها - كما يذكّرنا النقاش الأكاديمي المعاصر - صورة مُضلِّلة، لأنها تختزل تاريخ الأفكار والاكتشافات في فرد استثنائي، وتتجاهل شبكات التعاون والعمل التراكمي التي تُنتج المعرفة الحقيقية.
في السينما، يقدّم فيلم أماديوس هذا التناقض بوضوح صارخ. يقف موزارت كعبقرية موسيقية فطرية، تُولد قبل أن تتعلّم، وتنفجر قبل أن تُهذَّب؛ موسيقاه تشعل الخيال وتربك السامع وتحرّره. في المقابل، يظهر أنطونيو سالييري، موسيقار البلاط الملكي، بوصفه نموذج البراعة المُدرَّبة: المحترف، المتقن، المنضبط، صاحب الصنعة التي لا تخطئ. نحترم مهارته، ونُقِرّ بكفاءته، لكن موسيقاه - مهما بلغت من إحكام - تمرّ علينا ببرودٍ نسبي، تؤدي وظيفتها وتغادر بلا أثر عميق. بين الفطرة التي تُدهشنا والصنعة التي تُرضينا، يختار الفيلم بلا تردّد: العبقرية التي تُربك ولا تُهادن.
في العلم، تصبح الصورة أكثر تعقيداً. فالتقاط أول صورة لثقب أسود لم يكن إنجاز عقل واحد، بل ثمرة تعاون عالمي بين فيزيائيين ومهندسين وخبراء حاسوب ومراصد موزّعة عبر القارات. حتى اسم ستيفن هوكينغ، الأكثر شهرة جماهيرياً، يظهر هنا كجزء من شبكة معرفية واسعة، لا كعبقري يعمل في عزلة. العلم، كما يذكّرنا المؤرخون، ممارسة جماعية قبل أن يكون بطولة فردية.
هذا الفهم الجديد لا يُقلِّل من قيمة العبقرية، بل يعيد تعريفها. فالعبقري ليس بالضرورة الأكثر ضجيجاً أو غرابة، بل من يرى الروابط الخفية، ويصبر على التفاصيل، ويملك شجاعة طرح الأسئلة غير المتوقعة. غاليليو نفسه، وهو تحت الإقامة الجبرية، أدرك أن التأني والاستطراد قد يكونان طريقاً مشروعاً إلى الحقيقة.
وفي تراثنا العربي-الإسلامي، لم تُولَد العبقرية في العزلة. ابن سينا كان يعمل داخل شبكات طبّية وتعليمية حيّة، والخوارزمي طوّر الجبر في بيت الحكمة، ضمن مشروع حضاري للترجمة والتنظيم، بينما أسّس ابن الهيثم أخلاقيات الشكّ والتجربة والبرهان، فغيّر مسار العلم ببنائه على ما سبق.
المعرفة لا تقفز قفزات الأرانب، ولا تُنتَج باندفاع اللحظة؛ إنها تمضي بثبات السلحفاة، تراكماً بعد تراكم، وصبراً بعد صبر. ومن لا يحتمل هذا البطء الخلّاق، لن يفهم كيف تُصنع العبقرية، ولا لماذا تبقى على مر السنين.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.