المجتمع يُحترم.. ولا يُخاف منه
جاءتني ابنتي مترددة، لا لأنها لا تعرف ما تريد، بل لأنها تعرف تماماً ما تريد، وتخشى أن تُدان بسببه. أرادت تغيير تخصصها الجامعي، ليس هروباً من صعوبة، ولا مللاً من طريق، بل هو وعي مبكر بأن ما بدأت فيه لا يشبهها. جلسنا طويلاً، ناقشنا الأمر بهدوء، لا بصفتي أباً يخشى كلام الناس، بل إنسان يؤمن بأن كل قرار لا يدفع ثمنه صاحبه هو قرار ناقص. وحين وافقتها بعد اقتناع، قالت جملة بدت بسيطة في لفظها، عميقة في معناها:
«صدقت يا أبوي.. كفاية خوف من المجتمع».
هذه الجملة تختصر مشكلة اجتماعية حقيقية نعيشها يومياً. كثيرون لا يخافون الخطأ بقدر ما يخافون كلام الناس، ولا يهابون الفشل بقدر ما يهابون التصنيف. قرارات مصيرية تُؤجَّل، وأخرى تُفرض، ليس لأنها صائبة أو خاطئة، بل لأن المجتمع قد يرضى أو لا يرضى.
المجتمع، في كثير من تفاصيل حياتنا، تحوّل من إطار منظم إلى سلطة غير معلنة، يحاكم دون أن يسمع، ويصنّف دون أن يعرف، ثم ينسحب عند أول اختبار حقيقي. هو لا يتحمل كلفة الزواج الخاطئ، ولا يدفع ثمن تخصص جامعي غير مناسب، ولا يعيش آثار الصمت الطويل داخل علاقة مؤذية، لكنه حاضر دائماً لإبداء الرأي وإصدار الحكم.
المشكلة أننا خلطنا بين الاحترام والخوف، وبين السمعة والكرامة، فالسمعة صورة خارجية متقلبة، أما الكرامة فهي إحساس داخلي ثابت. كثيرون ضحّوا بسلامهم النفسي، وأجّلوا ذواتهم، فقط حفاظاً على صورة لا تحميهم حين ينهارون. المجتمع لا ينام مكانك، ولا يتحمل نتائج قراراتك، لكنه يطالبك دائماً بأن تتحمل اختياراته نيابة عنه.
ليس كل ما تعارف عليه الناس عدلاً، وليس كل ما خالفوه خطأ. يخطئ المجتمع حين يبرر الأذى باسم الصبر، ويجرّم المراجعة باسم العيب، ويفرض قالباً واحداً على حيوات مختلفة. احترام المجتمع لا يعني تعطيل العقل، ولا مصادرة حق الإنسان في مراجعة مساره، متى أدرك أن الطريق لا يناسبه.
الشجاعة في اتخاذ القرار ليست تمرداً، بل مسؤولية، وليست دعوة للفوضى، بل احترام للذات. أن تغيّر تخصصك، أو تعيد ترتيب حياتك، أو تراجع خياراً لم يعد صالحاً، لا يعني أنك خرجت على القيم، بل أنك قررت أن تعيش بصدق.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيه.