«تشريع يليق بالإمارات»

*محكم ومستشار قانوني

محمد نجيب*

القانون المدني في مختلف الدول يوصف بـ«أبو القوانين»، لأنه الأساس الذي ينبثق منه معظم فروع القانون الخاص، ومن هنا تأتي أهمية تحديثه بما يتواكب مع متطلبات الحاضر والمستقبل، كما تفعل دولة الإمارات تماماً.

قانون المعاملات المدنية الجديد في الدولة الذي أعلن في الأول من يناير هو خير بشارة تشريعية لعام جديد نتمناه مثمراً ورائعاً للجميع، والتعديلات التي وردت به ليست مجرد تحديث لغوي، أو إعادة ترتيب لمواده، بل تمثل تحولاً فلسفياً في نظرة المشرّع إلى العلاقة بين النص القانوني والعدالة الواقعية في مسائل عدة، من بينها المسؤولية المدنية والتعويض، وخفض سن الرشد، وتوسيع الأهلية القانونية، وغيرها من تعديلات تغطي كل المسائل تقريباً.

في القانون السابق، كان القاضي ملتزماً نسبياً بنصوص تفصيلية لا تترك له مساحة واسعة لتقدير الملابسات الإنسانية أو الاقتصادية للنزاع، بينما اتجه المشرّع في التشريع الجديد إلى توسيع السلطة التقديرية للقاضي، مع الإبقاء على الإطار العام للضبط القانوني، بما يحقق توازناً دقيقاً.

القانون أحدث تعديلات عدة في أحكام عيوب الإرادة، بإدخال مفهوم عيب الاستغلال كأحد أسباب إبطال العقود، وليس مجرد الفسخ، ما يعزز موقف الأطراف الضعيفة، أو الذين وقعوا تحت ضغط أو استغلال، بل إنه أعاد التوازن في النظر إلى الاشتراطات المجحفة بما يحد من الغبن، كما نص على تعيين مساعد قضائي للأشخاص غير القادرين على التعبير عن إرادتهم، بما يضمن أن تصب أفعالهم في مصلحتهم الحقيقية.

التشريع الجديد نص كذلك على أحكام تعزز حقوق المستهلك، مثل الحماية من العيوب الخفية، وتوسيع فترة التقادم للمطالبة بالحقوق، فضلاً عن تعديلات بالغة الأهمية في ما يتعلق بالتعويض عن الضرر، إذ لم يعد مجرد رقم، بل أداة لتحقيق التوازن الاجتماعي، بإتاحة التعويض عن فوات الفرصة متى ثبتت جديتها، ومنح القاضي صلاحية تقديره وفق الأثر المترتب على الضرر حاضراً ومستقبلاً.

الحديث يطول بشأن التعديلات المهمة التي وردت في القانون المدني الإماراتي الجديد، لكن يمكن الجزم بأنه أكثر إنسانية ومرونة واتساقاً مع واقع الناس، ويعكس تطوراً تشريعياً يليق بدولة تتصدر مؤشرات العدالة وسيادة القانون.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها

تويتر