المدير ورقعة الشطرنج

عضو سابق في المجلس الوطني الاتحادي

عائشة محمد سعيد الملا

الشطرنج ليست مجرد لعبة، بل مدرسة استراتيجية تُعلّم الصبر، والتفكير المسبق، والقدرة على التضحية في سبيل الهدف الأكبر. منذ قرون كان القادة والجنرالات يمارسون هذه اللعبة لا للتسلية وقضاء الوقت فحسب، بل لشحذ الفكر وتنمية القدرة على اتخاذ قرارات مدروسة في مواقف شديدة التعقيد.

غير أن رقعة الشطرنج التي يستخدمها بعض المديرين في الشركات لا تشبه تلك التي نعرفها، هي رقعة أخرى، مصممة على هوى النزاعات الشخصية، لا على أساس الرؤية أو التخطيط، فيها لا يتحرك «الجندي» نحو الأمام بدافع الطموح، بل يُحرّك فقط لإشعال الخلاف أو إثارة صراع جانبي، الملك لا يقود، بل يتحصن خلف الحِيَلْ. في هذه الرقعة المشوهة، لا وجود لاستراتيجية تُفضي إلى النجاح الجماعي، بل تُدار الأمور بمنطق «فرِّق تسد»، حيث يُزرع الشك بين الموظفين، ويُكافَأ القريب لا المجتهد، المدير هنا لا يرى فريق العمل كجنود يُراهن على ذكائهم، بل مجرد قطع قابلة للاستبدال، تُحرّك من أجل لعبة نفسية، لا من أجل تحقيق هدف مؤسسي مشترك.

بيئة تُهدر الطاقات

حين تُدار الشركات بهذه العقلية، تُصبح بيئة العمل مشحونة بطاقة سلبية، معدومة الثقة، وتتحول الاجتماعات إلى ساحات مناورة، لا فضاءات حوار وبناء، يتراجع الأداء العام، وتذبل الطاقات، لأن الموظف لا يُعامل كشريك، بل كأداة.

ومع الوقت، تتآكل الكفاءة، وتُستنزف العقول، ويغادر أصحاب المهارات بصمت، وتبقى الرقعة خاوية إلا من الأصوات المرتفعة والمكائد الصامتة.

الإدارة ليست صراعاً

المدير الناجح هو من يدير فريقه برؤية متكاملة، بتقدير وتحفيز وثقة متبادلة، هو من يرى أن كل «حصان» يمكنه القفز إلى آفاق جديدة، وكل «قلعة» يمكنها أن تحمي منظومة الإنجاز، وكل «جندي» يحمل بداخله بذرة القيادة.

الشطرنج يعلمنا أن كل حركة تحسب، وأن كل تضحية لها معنى، وأن الانتصار الحقيقي لا يتحقق إلا حين يعمل كل الأفراد بتناغم، فهل سيبدأ المدير باستخدام الرقعة لصناعة الإنجاز؟

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

تويتر