التجربة الصينية في استقطاب المواهب
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، أصبحت المواهب البشرية محور التنافس بين الدول، بعد أن تراجع دور الموارد التقليدية لصالح العقل المبدع القادر على إنتاج المعرفة والابتكار، وفي هذا الإطار، تبرز التجربة الصينية كأحد أبرز النماذج العالمية في بناء منظومة متكاملة لاستقطاب الكفاءات المحلية والدولية وتوظيفها في خدمة التنمية طويلة المدى، فقد بدأت الصين مسيرتها التنموية معتمدة على اليد العاملة منخفضة الكلفة، ما جعلها مصنع العالم لعقود، لكن مع ارتفاع الأجور وتزايد المنافسة الدولية، أدركت القيادة الصينية ضرورة الانتقال إلى اقتصاد قائم على المعرفة، ووضع رأس المال البشري في مقدمة الأولويات الوطنية، ومن هنا تبنت الدولة رؤية تعتبر المواهب مورداً استراتيجياً يعادل في أهميته الموارد الطبيعية.
وقد ترجمت هذه الرؤية عبر سياسات وبرامج وطنية واسعة، لم تترك فيها مسألة جذب المواهب لقوى السوق وحدها، بل تدخلت مباشرة من خلال تمويل سخي، وحوافز متنوعة، وبناء أطر مؤسسية تربط بين الحكومة والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص، ويعد برنامج الألف موهبة مثالاً بارزاً، إذ استهدف استعادة العقول الصينية المهاجرة، وجذب خبرات عالمية مرموقة، مقدماً لهم رواتب تنافسية، ودعماً بحثياً كبيراً، وتسهيلات إدارية تعزز قدرتهم على الابتكار، كما أولت اهتماماً خاصاً بـ«الشباب ورواد الأعمال» في القطاعات التكنولوجية المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، إدراكاً منها بأن بناء قاعدة واسعة من الكفاءات الشابة هو مفتاح المنافسة المستقبلية، وتزامن ذلك مع استثمارات ضخمة في الجامعات ومراكز البحث، ما أسهم في صعودها عالمياً وزيادة إنتاجها العلمي وبراءات الاختراع.
ختاماً، نرى كيف أثمرت هذه الجهود نجاحات واضحة، انعكست في التقدم السريع للصين في مجالات علمية وتكنولوجية متعددة، مؤكدة أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأكثر فعالية لبناء اقتصاد قوي ومنافس عالمياً.
لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه
مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده ، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.