حكم الضرورة

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

ديننا الإسلامي سمْح التكاليف، يسير التطبيق، شرّعه الله تعالى لعباده ليعيشوا به مؤمنين، وله مسلمين، وبحسب ما لديهم من وسع وطاقة، من غير مشقة ولا حرج، فقد رفع الله تعالى عن هذه الأمة الإصْر والحرج اللّذَين كانا على من قبلنا من الأمم، فكان ديننا كله رحمة ويسراً ومصلحة للعباد في المعاش والمعاد، ولذلك جعل عزائمه عند الاضطرار رُخَصاً شرعية، تنقل المسلم من الشدة والضيق إلى اليسر والسهولة، فأباح من أجل ذلك المحظور، وأسقط العزيمة، مع بقاء التكليف كما شرع سبحانه، يدل لذلك قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، أي من ضيق فيما شرّعه لكم من تكاليف الأمر والنهي، لأن القصد من التكليف هو الامتثال طوعاً ومحبة، فإن هو امتثل لأمر الله ونهيه بالكيفية التي يقدر عليها يكون قد أدى الواجب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لمن يشق عليه القيام في الصلاة لمرضه: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب».

وكذلك حينما أمرنا ربُّنا سبحانه بالأكل من الطيبات وحرم علينا الخبائث؛ إلا أنه أباح للعبد إذا وصل إلى حد الاضطرار فلم يجد ما يأكله أن يأكل ما هو حرام عليه في الأصل كالميتة ونحوها، كما يقول الحق سبحانه:﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾، فاستثنى من المحرمات ما ألجأت إليه الضرورة لقيام أوَد الحياة؛ لأن عدم تناول المحظور حينئذ سيؤدي إلى إتلاف المرء نفسه، وهذا أشد من التزام المرء بواجب العزيمة، فكان إباحة المحظور أخفَّ من عزيمة الأكل من الطيبات، ومن هنا ندرك سعة رحمة الله تعالى بعباده في الشرع الذي جاء لمصلحة العباد في المعاش والمعاد.

غير أن الضرورة التي تبيح المحظور ليست على وِزانٍ واحد، فالضرورة تقدر بقدرها، فلا يتوسع بها توسعاً يخرجها إلى التشهِّي، فإنها لا تبيح ما هو أشد ضرراً منها كقتل النفس التي حرم الله، ولا الزنا الذي هو انتهاك للأعراض ومفسدة اجتماعية كبرى، وإذا تعارضت مع الضرر العام لم يجز ارتكابها لدفع الضرر الخاص، فلا تبيح للمرء أن يضر وطنه أو مجتمعه من أجل أن يدفع عن نفسه ضرراً معيناً، وهكذا أمور كثيرة تقيد ما يخرج عن حد الضرورة المُلجئة.

كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

تويتر