مسلسلات رمضان تهجر بيتها

د. بروين حبيب

لم يبقَ في بيتنا من يتابع المسلسلات في سهرات رمضان سوى والدتي، أما نحن جميعاً فنتابعها عبر المنصات الرقمية في أوقات نختارها، وقد تكون بعد انتهاء الموسم الرمضاني، وفي أحيان كثيرة نتابعها على شاشات هواتفنا الذكية. أعود بالذاكرة إلى ما قبل هذه الثورة الرقمية التي غيّرت حياتنا، فأرى أسرتنا مثل أغلب الأسر الخليجية، بل والعربية، تشاهد قبل الأذان حديثاً دينياً كأحاديث الشيخ علي الطنطاوي يومها، ونفطر على وقع برامج خفيفة كالكاميرا الخفية أو برنامج «فكّر واربح» أو البرنامجين الإماراتيين «فريج» و«شعبية الكرتون»، بعد أن انتقلت إلى دبي. أما بعد الإفطار فحتماً ستجتمع العائلة على مشاهدة مسلسل «الأياويد» البحريني مثلاً تتابعه بشغف إلى نهاية الشهر، ومن تفوته حلقة فهناك دائماً من يتطوع من الأهل أو الأصدقاء لروايتها له.

أما الآن فالصورة مختلفة تماماً، فما إن تنقضي جلسة الإفطار حتى ينسحب الأبناء إلى غرفهم، ليخلوا إلى هواتفهم الجوالة، ففي «تيك توك» و«إنستغرام» بديل عمّا يقدمه التلفزيون. في حين أن أبناء وبنات جيلي ممن تربوا على المسلسلات الرمضانية لم يتركوا عاداتهم، وإنما تغير شكلها، فلن يجلسوا لمتابعة مسلسل تقطّع الإعلانات أوصاله، حيث في عزّ التشويق الدرامي تتفاجأ بدجاجة راقصة تعلن عن مكعبات «ماجي»، ويتوالى هذا التقطيع بوتيرة مزعجة إذا كان المسلسل جيداً، بل يفضلون أن ينصرفوا لأشغالهم أو لجلسة في الخيم الرمضانية، أما المسلسل الذي يرغبون في مشاهدته فالمنصات تتكفل بتقديمه لهم أينما شاؤوا ووقتما شاؤوا دون أن تجلدهم بالإعلانات، بل يمكنهم مشاهدة المسلسلات بالجملة بدل الانتظار اليومي، إذ هناك من يشاهد خمس وست حلقات في جلسة واحدة.

وقد لا أبعد عن الحقيقة كثيراً إذا قلت إن المنصات الرقمية لا تهدد التلفزيون من ناحية نسبة المشاهدة فقط، بل ستهدد في المستقبل وجوده كجهاز في بيوتنا، وبنظرة سريعة على غرف أبنائنا نجدها تخلو من التلفزيونات، فما يريدون مشاهدته تتكفل به «الآيفونات والآيبادات»، فما الحاجة إذاً إلى جهاز يفرض عليك مكان الجلوس وتوقيته، في حين تمتلك بين يديك جهازاً في حجم الكف «فيه انطوى العالم الأكبر».

مزاج العصر لم يعد يتقبل مسلسلاً رمضانياً يمططه المخرج وينفخه بـ«بوتوكس» الحوارات الثرثارة، كي يصل به إلى 30 حلقة يقسّطها لنا التلفزيون ليلة وبعد ليلة، في مقابل بديل أقصر وأسرع ومتوافر متى شئنا تُؤمِّنه المنصات الرقمية.. فهل ستصبح المسلسلات الرمضانية في التلفزيون مثل الكلمات المتقاطعة في الجرائد الورقية لا يحلها إلا من يأكله الملل؟

@DrParweenHabib1

تويتر