تأملات في روايات الرعب

د. كمال عبدالملك

قرأت قصيدة The Raven (الغراب) مرات عدة، أولاها كانت في مطلع الشباب، أثناء دراستي للأدب الأميركي. قصيدة سردية للكاتب إدغار آلان بو، نشرها في يناير 1845، وتشتهر هذه القصيدة بموسيقاها المؤثرة، ولغتها الموحية التي تخفي معانيها تحت بُرقع الكناية وخِمار المجاز المرسل، وأوْشِحة الغياب والموت وأكفان العدم والفناء.

والقصيدة تحكي قصة غرائبية عن غراب أسود يتكلم مثل البشر، يزور في ساعة متأخرة، غرفة عاشق محطم يتألم بسبب موت حبيبته (لينور).

دعوني أعترف بأنني أستمتع كثيراً بقراءة كتابات وأشعار الرعب لإدغار آلان بو. وعندما أفكّر في مَن يشبهه في إثارة الرعب والخوف، أجد من يرشح لي اسم الكاتب المصري أحمد خالد توفيق، فهو ربما كان أول مؤلف معاصر يتخصص في كتابة روايات الرعب والخيال العلمي في العالم العربي.

ذات ليلة كنت أمشي على شاطئ جميرا في دبي، وألفيت نفسي أتخيّل لقاء بين إدغار آلان بو، وأحمد خالد توفيق. رأيت إدغار آلان بو، بنظرته المرعبة، يجلس إلى الطاولة المجاورة ويتحدث مع أحمد خالد توفيق، وبدا صوته كصدى عميق جاء من أغوار الماضي:

- مستر توفيق، قرأت بعضاً من قصصك المرعبة. أخبرني كيف تؤلف قصصاً مثيرة للرعب تلامس قلوب قرائك؟

أجاب أحمد خالد توفيق، بصوت خافت، وبعبارات أدبية متسربلة بالغموض والمعاني الملتبسة:

- سيد إدغار، إرثك إلهام لنا جميعاً. في قصصي أسعى إلى استكشاف مخاوف العالم الحديث، ونسجها في سرد يعكس القلق المترصد في القلوب والرعب المتحفّز للانقضاض علينا في أي لحظة.

أومأ إدغار آلان بو، بابتسامة شبحية ما انفكت تلمع وتنطفئ على وجهه:

- بالفعل. جوهر الرعب يتزايد مع الزمن ويتجاوز الحدود والعصور. ولكن قل لي، مستر توفيق، ما الذي يدفعك إلى استكشاف الجوانب الأكثر ظلاماً للطبيعة البشرية في كتاباتك؟

لمعت عيون توفيق بضوء غامض وهو يقول:

- الخوف هو شعور فطري أولي، وجزء من نفسية جماعية لنا نحن البشر. من خلال الغوص في أعماق الرعب، يمكننا أن نكتسب فهماً أفضل لأنفسنا وللعالم من حولنا. من خلال الخوف، تتعالى دقات القلب كطبول إفريقية تُفْزِع أشباح الرعب، ونكتسب بعدها التطهير من الخوف، وفي النهاية يتعمّق إحساسنا بإنسانية متعافية ومتساوقة مع محيطها.

واستمر الحديث بين الكاتبين عن حبهما للعجيب والغريب والمرعب، حتى أدركهما الصباح فسكتا عن الكلام المباح.

باحث زائر في جامعة هارفارد

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

تويتر