ولا في الأحلام

د. بروين حبيب

يحدث أن نلتقي شخصاً في حياتنا يومياً ولكنه يبقى عابر سبيل لا يترك أثراً ولا يسترعي انتباهاً، كما يحدث أن تتقاطع طريقنا مع شخص آخر مرة واحدة فقط تكفي ليصبح وشماً في الذاكرة. خطرت هذه الفكرة ببالي وأنا أدير ندوة مع الروائية الجزائرية الظاهرة أحلام مستغانمي قبل أيام. وانتبهت أن خطانا تلتقي كل 10 سنوات تقريباً وكأنه موعد ثابت لا نخطئه.

ففي أواخر سنة 1993 كان اللقاء الأول مع أحلام الروائية؛ إذ وصلتني نسخة من روايتها الأيقونة «ذاكرة الجسد» وقرأتها بلهفة بل طافت الرواية على صديقاتي تنتقل من يد إلى يد. وكم كنت سعيدة وأنا العاشقة المزمنة لنزار قباني أن أقرأ على الغلاف الخلفي إعجابه بهذه الرواية التي دوخته كما كتب حتى تمنّى أن يكون هو صاحبها.

وبعد قرابة 10 سنوات من هذا اللقاء الورقي، كانت أحلام مستغانمي سنة 2004 ضيفة الحلقة الأولى من برنامجي «نلتقي مع بروين» وكنت قد اقترحت محاورتها لتعطي دفعاً قوياً للبرنامج، فاسمها يلفت انتباه المشاهدين لبرنامج جديد كما يجذب الضيوف، وقد كانت فاتحة خير تفاءلت بها لبرنامج استمر 15 عاماً وكان العمود الفقري لتجربتي الإعلامية.

وبعد 10 سنوات أخرى - أي في 2014 - جمعتُها في «ملتقى بروين حبيب الثقافي» بسيدات قارئات لرواياتها معجبات بكتابتها، حيث جرَتْ جلسة حوارية ماتعة سُرَّت بها أحلام وقارئاتها يومها.

وجاءت ندوة معرض الشارقة للكتاب أخيراً بعد عقد آخر للاحتفاء بمرور 30 عاماً على صدور «ذاكرة الجسد» وتوقيع سيرتها الروائية «أصبحت أنت»، وأحبَّتْ أحلام أن أدير ندوتها فكانت ليلة من العمر لقرائها حيث نادراً ما تستمر ندوة في معرض كتاب لأزيد من ساعتين يليها توقيع كتاب استمر حتى الواحدة فجراً.

حاولتُ مراراً أن ألتزم بالوقت المخصص للندوة لكن الجمهور الحاضر والغالب عليه الحضور النسوي كان يطالب بالاستمرار، بل لم يشأ طرح الأسئلة خوف مقاطعة سير الحوار. كانوا يريدون أن يسمعوا أكثر من كاتبتهم المفضلة ولم تبخل عليهم أحلام بما ينتظرونه منها، وهذه العلاقة بين الكاتبة وقرائها جديرة بالتوقف عندها فقد كانت لهم الأولوية دائماً، ولها مع قرائها الأوفياء قصص لا تنتهي، تُوقّع كتابها حتى للأموات منهم، كما حدث يوم طلب شاب منها أن توقّع نسخة لوالده المتوفى لأنه كان يحب رواياتها، وكم من عاشقين تعارفا في طابور التوقيع. وقد وصفتُ في تقديمي لندوتها هذه العلاقة بقرّائها قائلة «وحينَ قالتْ لأبيها في جردةِ عواطفَ شهيّةٍ كحنينْ: (أصبحتُ أنتَ) سمِعَتْ صدى صوتِها يتردّدُ من حناجرِ آلافِ القرّاءِ: أصبحنا أنتِ».

كان لقاء لم تشأ لا أحلام مستغانمي ولا أنا ولا الجمهور أن ينتهي، إذ كانت ليلة «ولا في الأحلام».

DrParweenHabib1@

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

تويتر