الإبداع بين النظرية والتطبيق

عبدالله القمزي

الفرق بين النظرية والتطبيق بأبسط تعريف، هو أن النظرية تمثل المعرفة، والتطبيق يمثل التجربة والخطأ. النظرية هي ما يجب أو ما يفترض أن يحدث، والتطبيق هو ما يحدث عملياً.

لا تقرأ ما في بطون الكتب، ثم تذهب لتجادل شخصاً لم يقرأ، لكنه جرب، لأنه أقرب إلى الواقع منك. فمن يقرأ في النجارة مثلاً، ليس نجاراً كالذي مارس المهنة بيده. القارئ يتخيل فقط، بينما النجار العملي اشتغل بيده ويفهم في أنواع الخشب وجودتها، لأن التجربة علمته.

والإبداع في النظرية والتطبيق مرتبط بطريقة التفكير، ويمكن أن يكون الشخص مُنظّراً دون أن يخوض التجربة مثل ستيف جوبز، ويمكن أن يكون مجرباً أو خاض في الأمر بيده قبل التنظير مثل بيل غيتس.

كان جوبز مبدعاً في تخيل أشكال الأجهزة، وكيفية عملها، وكان مستشرفاً بارعاً للمستقبل، ولم يبرمج في حياته. بينما غيتس تعلم البرمجة بالممارسة وأخطأ وأصاب حتى خرج علينا برنامج ويندوز، وكان مصرّاً على الاستثمار في ألعاب الفيديو، حتى اختُرِعت «إكس بوكس»، وها هي تنافس كبار شركات ألعاب الفيديو اليابانية. وهذا يدل أن غيتس يُنظّر ويطبق.

الإبداع عند الرياضيين مرتبط بقمة عطائهم المقسم إلى شقين: القوة البدنية والسرعة. وكل رياضة يأتي إبداعها في سن مختلفة عن رياضة أخرى، فالسباحون مثلاً يكونون في ذروتهم في أول الـ20، وحاملو الأثقال في منتصف الثلاثينات، والفرسان بعد منتصف الثلاثينات، ولاعبو الكرة بشكل عام في العشرينات.

بالنسبة لغير الرياضيين، فإن الإبداع يأتي في أي وقت، سواء في فترة المراهقة أو في فترة الكهولة، وحتى الشيخوخة، فأحياناً ترى ممثلاً في منتصف الـ60 لم يكن معروفاً، يعطى دور العمر، فيبدع فيه، وينطلق إلى نجومية الصف الأول.

هذه كلها أمثلة للتجربة العملية الميدانية، وهناك أشخاص يملكون القدرة على الانتقال السلس من النظرية إلى التطبيق.

ولي صديق يعمل في الإدارة، وشغوف بالطبخ، ويستطيع أن يتعلم الطبخ بمجرد النظر إلى الطباخ، فيحفظ الخطوات ثم يطبقها وحده دون تدوين.

ولدي صديق آخر اشتغل في الهندسة الكهربائية والنجارة 20 عاماً، قبل أن يقرر دراسة الهندسة المدنية في الكلية. وهو الآخر لديه القدرة على التعلم بالنظر والسؤال ثم الانتقال إلى التطبيق بالحفظ فقط دون أي تدوين. وهذه ليست مبالغة، فلقد شاهدت الاثنين يمارسان أمامي الانتقال من النظرية إلى التطبيق.

المثال الثاني أي المهندس، مبدع جداً لدرجة أني رأيته يغير مصباحاً في الظلام الدامس، ورفض أن أزوده بالإضاءة من جهازي الذكي، لأنه أراد تحدي ظروف المكان.

عبرة

منذ زمن «سحيق»، وفي وظيفة سابقة، كان لي زميل يحب التنظير، ولم يكتب حرفاً قط. وكان ينتقدنا جميعاً.

عندما أتى علي الدور وقف بجانبي، وسألني عن الموضوع الذي بيدي؟ فأخبرته، فقال: لو أخذت الموضوع في ذلك الاتجاه فسيكون أفضل، وظل يشرح «ذلك الاتجاه» في 10 دقائق، ظننتها 10 ساعات.

أمسكت بلوحة المفاتيح (الكيبورد) ووضعتها أمامه، وقلت له اكتبه كما ترى، وسأكتب اسمك بجانب اسمي.. فابتعد عني، ولم يُنظّر عليّ «ذلك الاتجاه» مرة أخرى قط.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

@abdulla_AlQemzi

تويتر