«نلتقي»

في بلاد الشِّعر والنّخيل

د. بروين حبيب

هناك مدن تعيش فينا ونشعر أننا نعرفها حتى قبل أن نلتقيها، كان هذا شعوري وأنا أزور بغداد قبل أيام، للمشاركة في فعاليات مهرجان بابل للثقافات والفنون. ما أن خرجت من مطار بغداد حتى استقبلني النخيل فاتحاً ذراعيه، فتبادر إلى ذهني بيت قاسم حداد: «فقرأتُ أسماءَ النخيل وبكيتُ في كتف النخيل». وصنعت صفوفه على جانبي الطريق ألفةً بيني وبين المكان، فحيثما كانت النخلة هناك امتداد وطني الطبيعي.

جئت بغداد وقد تشارك قلبي وعقلي في تسطير «برنامج من النوستالجيا» لي، أعترف أن الأيام القليلة التي بقيتها هناك لم تكفني للوفاء به. وهل يتسع زمن رحلة مهما طالت أن يختصر مدينة كانت يوماً عاصمة الدنيا حين رفّت فوقها رايات العباسيين؟! وحاولت أن أشبع نهمي منها، فتجولت فيها برّاً ونهراً، إذ ركبت زورقاً في نهر دجلة، رافقني فيه في البدء أبونواس وجدّف بي الجواهري، إلى أن أوصلاني إلى حضرة الشعر عند المتنبي، هناك ترجّلت ومشيت في شارعه، عن يميني يعزف موسيقيون شباب، وعن يساري بسطات كتب، فهتفت: «هذه بغداد التي في خاطري».

حيثما وجّهت نظرك يقف التاريخ شامخاً أمامك، فهنا منطقة الكرخ، وهناك جامعة المستنصرية، وفي هذه الحديقة تمثال شهرزاد وشهريار، وفي الأخرى تمثال المتنبي مستأنساً بالكتب والمكتبات. وقبل هذا وذاك الإنسان العراقي الذي امتزجت فيه الطيبة المتناهية، والكرم الحاتمي، مع شيء من الكبرياء والاعتداد بالنفس توارثه من أجداده السومريين والبابليين والعباسيين، في حين أصبحنا نحن نعيش التاريخ سطراً في كتاب أو صورة في شاشة.

أدهشني أن العراقي لايزال يسافر من محافظة إلى أخرى ويطوي المسافات ليحضر أمسية شعرية أو مهرجاناً ثقافياً، وينتظر بالساعات بدء الفعاليات الثقافية. شغف لم تستطع «السوشيال ميديا» إطفاء جذوته. فهذا التمهل للاستمتاع بالثقافة صرنا نفتقده في مدن تعيش على إيقاع سريع.

حتى المقاهي تحتفي بالثقافة، ولاتزال تجمع بين «كهوة وكتاب» وتملأ لك فنجانك من «بن رضا علوان» وأنت تقرأ أحدث الإصدارات في مقهى «الشابندر». وبعكس بلداننا التي يستنكف فيها كبار السن من ارتياد المقاهي، ترى على الطاولات شيوخاً وشباباً متجاورين في صورة ترسم لك تواصل الأجيال في أبهى تجلياته.

نحن بحاجة إلى إعادة اكتشاف العراق، بعيداً عما ينمّطه الإعلام لنا، وما في أذهاننا من تصورات مسبقة هي وليدة قوالب جاهزة لا واقع، فما لمسته من جيل جديد متّصل بالعالم، وحاضر في وسائل التواصل دون انسلاخ من حضارة عمرها آلاف السنين، جعلني مؤمنة معهم بقرب ولادة عراق جديد.

أدهشني أن العراقي لايزال يسافر من محافظة إلى أخرى، ويطوي المسافات ليحضر أمسية شعرية أو مهرجاناً ثقافياً، وينتظر بالساعات بدء الفعاليات الثقافية.

@DrParweenHabib1

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

تويتر