تعرفه جيداً

أمل المنشاوي

يزورنا فتبهت الألوان وتختفي بهجة الأشياء وتغيب الضحكات ويتراجع الشغف والإقبال على الحياة.

تتساوى في حضوره كل الأشياء وعكسها، وتصبح عبارة «لا يهم» العنوان الأوحد للأيام.

يطفئ بريق العيون ويهدأ معه نبض العروق وتتراجع الآمال والأحلام والإحساس بالحاضر وترقب المستقبل.

يهدم بلا هوادة كل جهد عاهدنا أنفسنا على بذله ويسكن في تفاصيل الوقت فيغدو بلا قيمة ولا هدف.

يصيبنا بالصمت والعزوف عن الكلام، ويحول نظراتنا نحو اللاشيء فنرى ولا نبصر ما حولنا.

هكذا الضجر، شعور إنساني يعترينا جميعا نساءً ورجالاً، عصي على الفهم أو التوقع، لا نعرف لقدومه مقدمات ولا متى يقرر الرحيل.

للضجر معنا نحن النساء قصة أخرى وحديث يملؤه الشجن، تعرفه جيداً تلك التي تتوقف بلا سبب عن الكلام أو اللوم أو العتاب.

تعرفه جيداً تلك التي تترك كل شيء حولها وترحل للمجهول دون خوف أو حساب.

تعرفه جيداً تلك التي تستيقظ فتقرر بلا مبررات أنها لن تمارس أياً من طقوس دورها اليومي الممل والمتكرر منذ سنوات، ولن تنظر في مرآتها ولن تهاتف أحداً، ولن تجيب على رسائل القلق واستنكار الغياب.

تعرفه جيداً تلك التي تمضي ليلها تعيد شريط ذكرياتها وتجتر أحزانها وتستحضر الفرص الضائعة والأحلام التي لم تر النور، وتبكي بلا أسباب.

تعرفه جيداً تلك التي تزهد في حياتها فتراها بلا قيمة ولا فائدة حتى لو كانت موضع حسد ومحل إعجاب.

هكذا الضجر والملل، أوقات صعبة على الجميع لاسيما نحن النساء، نحتاج أن نفهمها ونؤمن بأن ما نمر به وقت لابد أن ينتهي، فلا نقسو على أنفسنا ولا نحملها ما لا تطيق من ألم أو عذاب.

لا يهم أن نُزهر في كل الأيام، وليس ضرورياً أن نباشر كل المهام بذات الهمة كل صباح، ولا يجب أن نقدم طعاماً ساخناً كل مساء، وليس فرضاً أن نودع ونستقبل بذات الابتسامة ونفس الترحاب.

طالما ملت النفس وضجرت الروح لا ضير من هدنة من كل شيء وانسحاب مؤقت من دوامة الحياة، ساعات أو أيام قليلة، ثم نعاود الطريق يدعمنا في ذلك الإيمان والتصرف بحكمة، ورويداً رويداً تتجدد الروح ويزيد النشاط.

لا ضير من هدنة من كل شيء وانسحاب مؤقت من دوامة الحياة، ساعات أو أيام قليلة ثم نعاود الطريق.

@amalalmenshawi

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

طباعة