سفح الانفعال

أمل المنشاوي

تمنحنا الحياة فيه حق الاختيار، لكنها لا تقبل منه شيئاً في المنتصف، نأخذه كاملاً أو نتركه كاملاً، ولا تعترف برمادية ألوانه، إما أبيض ناصع واضح وإما أسود معتم.

ندفع مقابله ثمناً باهظاً مكلفاً من أعمارنا وصحتنا، وتدمي أقدامنا أشواك الطريق قبل الوصول إليه، فنتعلم الصبر والجلد، وتجاوز المحن والآلام وابتلاع المرارات وتجاهل العثرات.

نتعلم به ومعه آداب الحوار وفن إدارة النقاش الناجح، وأسس التعايش مع الآخر المختلف، وكيفية استيعاب من نهتم بهم ويعنون لنا الكثير.. نتخطى به المشكلات والصدمات، ونتجنب به الصدامات ومناطحة العقول المتحجرة ومن لا أمل في إصلاحه.

نشرح في حضرته أنفسنا بلا خوف، ونعرض أفكارنا بثقة واتزان، وننافس به ونفوز ونتحالف معه لمواجهة أعاصير الغضب ومحاولات الاستفزاز.

تسكن في ظله أرواحنا ويرتاح عبوس وجوهنا، ويتلاشى به الخوف والوساوس وسوء الظن، ونحفظ معه سلامنا النفسي يقيناً بأن كل أقدار الله خير.

نُبصر به حقيقة الرحلة وسرعة انتهائها وتفاهة الصراع على أشيائها، وندرك به حقيقة العالم من حولنا، ونميز بفضله الخير وأهله وصنائعه، ونبتعد أيضاً بفضله عن أصحاب الأذى وذوي النفوس الوضيعة.

إنه الهدوء، الذي تختاره الفطرة السوية وتعتاده النفس بالتجربة، وتلزمه كلما التزمت دينياً وأخلاقياً.. الهدوء ذاك الذي يخلق من ضيق النفس براحاً، ومن القلق سكينة وارتياحاً، ومن الخوف طمأنينة وسلاماً.

لا حياة بلا مشكلات ولا دنيا صافية بلا منغصات، لكن مع الوقت تعلمنا التجارب أن نختار الهدوء في مواجهتها، إيثاراً لصحتنا وعافية أبداننا، وتجنباً للعصبية التي تورث الأمراض وتقبض القلب والعمر.

الهدوء يمنحنا فرصة لرؤية الصورة مكتملة الجوانب، ويسمح بأكثر من حل ونتقبل به ما لا حيلة لنا فيه.. الهدوء يعطينا مساحة للتفكير السليم واتخاذ القرار الصائب، ويعلي من شأننا ويوطد علاقاتنا بالآخرين، فيأمنون معنا ولا يتحسبون لغدر أو خذلان.

الهدوء منبعه الرضا والتسليم بخيرية الأقدار، والتأكد من عدالة الخالق في علاه، وأن الأيام سريعة الدوران فلا ظلم يدوم، ولا ظلام مهما طال يستمر.

الهدوء خُلق حميد يعكس تربيتنا وما يغرسه فينا الأهل، لكنه ليس عصياً على التعلم أو التعود؛ فكل ما نضيفه لأنفسنا من سلوكيات إيجابية كل يوم أساسه الاقتناع بأهمية هذا السلوك أو ذاك، فكل ما نحتاج إليه أن نقتنع بأن الحياة الهادئة السوية لابد لها من مقابل من ضبط النفس وترويضها، والتحكم في الغضب الذي عادةً ما يُهلك صاحبه شيئاً فشيئاً، والأهم ألا نسمح لأحد بأن يهدم هدوءنا أو يسحبنا من جديد لسفح الانفعال حيث الندم، بعد أن دفعنا ثمناً مكلفاً للابتعاد عنه.

• الهدوء يمنحنا فرصة لرؤية الصورة مكتملة الجوانب، ويسمح بأكثر من حل ونتقبل به ما لا حيلة لنا فيه.

amalalmenshawi@

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة