«نلتقي»

أهدافٌ في شِباك التعاسة

د. بروين حبيب

كيف يمكن لجلد منفوخ تتقاذفه الأرجل أن يُدخل هذا الكم من السعادة على ملايين البشر، فينسون مآسيهم وآلامهم وركضهم لأجل معيشتهم من أجل شباب يركضون وراء الكرة.. هذا ما حدث في الأيام القليلة الماضية، إذ زرع «أسود الأطلس» الفرحة والبسمة على شفتي كلّ مواطن عربي، بعد أن أدْمنَّا البكاء على وقع الهزائم والخيبات من سقوط غرناطة إلى نكبة حزيران وما تلاها من ربيع تحوّل دموياً حدّ الوجع.

لقد حقق العرب إنجازات عديدة عالمية على الصعيد الفكري والأدبي، أبرزها حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وعلى الصعيد العلمي الذي توّجته جائزة نوبل أخرى حصل عليها أحمد زويل في الكيمياء، ولكن تبقى هذه الإنجازات على عظمتها نخبوية، لم يتفاعل معها الشارع العربي كثيراً، بل هناك من لم يسمع بها أصلاً؛ مثل كثيرين ممن أوقاتهم مشغولة باللهاث وراء لقمة العيش، لكن الإنجاز في مجال مثل «الساحرة المستديرة» يترك في الدنيا دويّاً لا يمكن بحال تجاهله، وهذا ما حدث حين وصل المنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم، في إنجاز لم يحقّقه قبله أي منتخب عربي أو إفريقي، فخفقت قلوب العرب، وتعلّقت عيونهم بالشّاشات مذهولين من هؤلاء الشّباب السّمر، الذين أزاحوا من طريقهم فرقاً كانت تعدّ من أسياد اللعبة.

لم يكن هذا الإنجاز في الملعب وحده، بل سجّل المنتخب المغربي أهدافاً عدة في شِباكِ التعاسة العربية، منها تبيان دور الأم المغربية في هذا الإنجاز، فما فعله أشرف حكيمي ورفاقه ومدربهم وليد الركراكي من التوجه إلى المدرجات، وتقبيل رؤوس الأمهات، كان أجمل من الأهداف نفسها. وسيذكر العالم طويلاً رقصة الأمهات العفوية مع أبنائهن اللاعبين في الميدان، وما بثّته من طاقة فرح نقلت اللعبة من بعدها الرياضي إلى بعدٍ إنساني أعلى. وكان جزاء هؤلاء النسوة صانعات الفرح أن كرّمهن الملك المغربي، فاستقبلهن مع أولادهن، وتجاذبن أطراف الحديث معه، والتقطن صوراً تذكارية سيرويها الأولاد للأحفاد.

ونستذكر أيضاً مواقف الحارس المغربي المتألق ياسين بونو، حين أصرّ على الحديث باللغة العربية، وهو الذي يجيد اللغات الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، ولما طلب منه الصحافيون أن يتحدث بغير العربية، أجابهم بثقة واعتزاز: «ليست مشكلتي أنكم لم تُحضروا مترجمين لكم». في زمن يتنصّل فيه العربي من لغته، بل يستحيي منها، ويلوي لسانه بخليط من الكلمات هي والركاكة توأم.

المغرب كان صانع الحدث في بداية سنة 2022 وفي نهايتها، حين تسمّرت الأعين أمام الشاشات وهي ترقب محاولات إنقاذ الطفل «ريان» من البئر التي وقع فيها، خمسة أيام عاش المغاربة ومعهم العالم على أعصابهم، إلى أن اختار الله «ريان» إلى جواره، ولم أستطع التخلّص من وطأة ما حصل حتى كتبت قصتي للأطفال «أعطني يدك». ولعل الله أراد أن يمسح دمعة المغاربة على طفلهم، فغمرتهم الفرحة في نهاية السنة، لتكون البداية ترحاً والنهاية فرحاً، ويعقب اليسرُ العسرَ، فهنيئاً لهم ولنا معهم هذا النصر الكرويّ الكبير.

• لعل الله أراد أن يمسح دمعة المغاربة على طفلهم فغمرتهم الفرحة في نهاية السنة لتكون البداية ترحاً والنهاية فرحاً، ويعقب اليسرُ العسرَ، فهنيئاً لهم ولنا معهم هذا النصر الكرويّ الكبير.

DrParweenHabib1@

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة