التعاسة في زمن السعادة

د. يوسف الشريف

كثيراً ما سمعنا مصطلح «العائلة السعيدة» في حياتنا اليومية أو على شاشات التلفاز، ولطالما كان هدفاً أو دعنا نقول حلماً للكثير منا للوصول إلى هذه النتيجة في منازلنا وعلاقاتنا الأسرية، ولكن وعلى الرغم من بحثنا المستمر عن ذلك الهدف، إلا أننا لم نتدارك حاجتنا إلى توافر شيء مهم خلال عملية البحث تلك، ألا وهو معرفة شروط وشكل (العائلة السعيدة) بما يتناسب مع طبيعة عصرنا وما نعيش فيه في وقتنا الحالي من مترادفات كثيرة تتداخل في تعريفات ومقومات سعادة العائلة.

قد يعتقد البعض أن العائلة السعيدة في هذا الزمان هي تلك الصور على «السوشيال ميديا» التي تظهر مدى الحب بين أفراد العائلة الواحدة وكثرة الهدايا والعطايا والمفاجآت التي يعبّرون عنها لبعضهم بعضاً وتعج بها وسائل التواصل الاجتماعي، أو يجد البعض الآخر أنها تكمن في السفريات العديدة للعائلة وامتلاك الكثير من الأموال والسيارات والمجوهرات، وتوافر وإتاحة كل شيء لأفرادها، وقد يرى آخرون أن العائلة السعيدة هي تلك العائلة التي يسكن أفرادها سوياً تحت سقفٍ واحد يتناغم أفرادها فيما بينهم مشكّلين لوحة من التفاهم المتبادل، وفئة ترى أن السعادة تتمثل في التمكن من الوصول إلى أعلى قمم ومراتب النجاح، بينما تقرر فئة أخرى أن الاستقرار والراحة النفسية هما السبيل للسعادة ولا شيء سواهما.

قد تتلخص كل تلك الأمثلة في حوار بين زوج وزوجة تقوم بعرض صور عائلة ميسي عليه وهي تشاركه فرحه أثناء تحقيق حلمه بالفوز بكأس العالم، وتقول له: «انظر كيف ترك الدنيا بما فيها من أجل لحظة تجمعه بعائلته السعيدة»، أو تلك المقارنات بين حياة المشاهير والأغنياء وهم يرسمون شكل عوائلهم على منشورات و«ستوريهات» مواقع التواصل الاجتماعي.

وليت الأمر يقف عند حد المشاهير والمقارنة فيما بينهم، بل امتد إلى اعتقاد الكثيرين بأن العائلة السعيدة هي ما تشبه عائلة جارتهم (أم محمد) التي لا تجد في حسابها على «إنستغرام» إلا صور وفيديوهات لاحتفالات وأعياد ميلاد أو تغني بحبها لـ(أبومحمد) وبأنه خير الرجال، وهو يبادلها الحب والاحترام ويستغل كل فرصة ليقدم السعادة لها ولأبنائها، وطبعاً هذا ما تظهره لنا وسائل التواصل الاجتماعي عن عائلة (أم محمد)، ولكن ولا مرة نظرنا من النافذة لنكتشف أن هناك حياة مزيفة نعيشها عبر تلك المواقع، وكأننا تناسينا أن مشكلات عوائلنا لا ننشرها ولا نوثقها، ونكتفي دائماً بنشر ما يُظهر بأننا في الجنة ولا أحد معنا. للأسف في هذا الزمن تغيّر شكل العائلة السعيدة وأصبح الجميع يعتقدون بأن الشكل المزيف المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي هو الشكل الأمثل للعائلة السعيدة، وأصبح الكل يقارن نفسه وإنجازاته ومدى حبه وتعلقه بعائلته وطريقة معاملته لهم أو معاملتهم له بتلك الصور المبتورة أو الفيديوهات المقصوصة، ولهذا غابت عنا السعادة وغبنا عن مفهومها وأضعنا الطريق في الوصول إليها.

لن أدخل في مثاليات بائسة، فكما عوّدتكم دائماً على الطرح الواقعي ولا شيء غيره؛ فمن وجهة نظري أن سعادة العائلة تكمن في تفاهمها الحقيقي وتقبّلها لمتغيرات الأيام وظروفها، فهي عبارة عن يوم في الأعلى وآخر في الأسفل، وهذا ما يجب أن نتفق عليه ونبني عائلاتنا على أُسسه، حتى نعيش سوياً تحت سقفٍ واحد بدلاً من تشتتنا وسط فضاء إلكتروني واسع يصعب مجاراته ومقارنة الحال به، وتكون خاسراً معه في كل الأحوال مع كل الزيف ذلك الذي يتم نشره عليه.

محامٍ وكاتب إعلامي

twitter.com/dryalsharif

www.ysalc.ae

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة