لغتُنا التي نعتز بها

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

كلُّ أمة لها لغة تتخاطب بها، وبها تعتز وتنافح لبقائها، وقد شاء الله تعالى أن يجعل اختلاف ألسنة الناس سنةً إلهية، وآيةً من آياته سبحانه وتعالى في خلقه، فيُلهم كلَّ أمة لغةً تتعايش بها، وغالباً ما يكون لهذه اللغات إقبال وإدبار، إلا لغتنا العربية فإنها لا تقبل الإدبار، لما ميزها الله تعالى من خصائص لا توجد في غيرها من سائر اللغات.

فهي اللغة التي جعلها الله تعالى لغةَ كتابه المبين، ولغةَ نبيه المصطفى الأمين، الذي اختاره الله رسولاً للعالمين، عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم، وهي اللغة التي حفظ الله تعالى بها الدين، وهي اللغة التي أودع فيها الحقُّ سبحانه من المعاني الجمَّة، والمفردات الملمة، والجمال البارع، والبديع الذائع، ما لا يوجد في غيرها من سائر اللغات، وهي فوق ذلك كله محفوظةٌ لا تقبل الذَّوَبان، وباقية ما بقيت الأزمان وبنو الإنسان.

هذه هي اللغة العربية من حيث هي، فلا تحتاج شهادةً من أحد يمجِّد عظمتها، ويبين فضلها وجمال أسلوبها وثبات وجودها، إنما الذي نحتاجه نحن أبناءَها؛ هو ما يجب علينا فعلُه كأمة عربية وإسلامية نحو هذه اللغة العظيمة، وهو كثير..

وأولُ ذلك هو الاعتزازُ بها كونها لغةَ القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين، وهو كلام الله تعالى القديم، وكلامه سبحانه صفة من صفاته العُلى، وهذا الكتاب هو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي نتلوه بها فنترقَّى بتلاوته بين يدي الله تعالى في الدنيا والآخرة، وهي لغة الدين الذي ندين الله تعالى به في تشهدنا له، ونصلي بها، ونذكره بها، فما دمنا أهلَ دين فإن ديننا الإسلامي يفرض علينا أن نهتمَّ بها حتى نكون على الدين القيِّم الذي أراده الله منا، واختص نفسه به.

وثانياً: لغتنا هي تراثنا العربي الأصيل الذي يتعين علينا أن نحافظ عليه أكثر من الحفاظ على التراث المادي؛ لأن الأمم تعتز بلغتها ولا تفرط بشيء منها، مع أنها تتحدث وتتجدد بين فترة وأخرى، فلا يكاد يعرف قديمها إلا المتخصصون، بينما لغتنا العربية قديمها جديد، وجديدها قديم، فهي أولى بالاعتزاز، والتفريطُ فيها يٌعد انهزاماً منكراً، وضياعاً للهوية العربية.

ثالثها: أن نحافظ على قواعدها التي هي أساس جمالها، ويترتب عليها من الأحكام الشرعية والأدبية ما يقتضي الثواب أو العقاب، وبها يكرم المرء ويعرف فضله إن هو حافظ على الأداء، أو يهان وينقص من قدره، كما قالوا:

النحوُ يُصلح من لسان الألكنِ والمرءُ تكرمه إذا لم يلحنِ

وإذا طلبت من العلوم أجلَّها فأجلُّها نفعاً مُقيم الألسنِ.

ويتعين كذلك على المتخصصين العلم بصرفها وبيانها ومعانيها وبديعها الذي تتميز به هذه اللغة وبه تعرف بلاغة القرآن الكريم.

رابعها: العناية بفقه اللغة فإن لغتنا كثيرة المباني، واسعة المعاني، وذلك مؤصل بالقرآن الكريم وبالشعر العربي القديم، وبالأدب العربي عموماً شعراً ونثراً، وكل ذلك فيه من الألفاظ ما قد تُجهل معانيها؛ وهي مبيَّنة في فقه اللغة، فكان لابد من العناية بمدونات فقه اللغة، وهي كثيرة بحمد الله، ومن أجلِّها وأحدثها وأوسعها على الإطلاق معجم اللغة العربية الذي يصدره مجمع اللغة العربية بإمارة الشارقة، الذي أنشأه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي -حفظه الله ورعاه- فقد صدر منه 36 مجلداً إلى حرف «الذال» ويتوقع أن يكون في 100 مجلد، يحفظ فقه اللغة بأوسع معانيها.

هذا أقل واجباتنا نحو لغتنا العظيمة التي نعتز ونفاخر بها الأمم، بل إن الأمم تحتاج لها في مستنداتها الرسمية.

• لغتنا هي تراثنا العربي الأصيل الذي يتعين علينا أن نحافظ عليه أكثر من الحفاظ على التراث المادي.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة