المواقف

أمل المنشاوي

تصنعنا وتشكل صورنا من جديد، تخلق مساحات جديدة وتختزل أخرى، تنسينا أُناساً ومشاعر وذكريات وتفسح لغيرهم مكاناً ومكانة في القلب.

تدهشنا حدَّ الصدمة أحياناً في بعضهم، وتعيدنا للبدايات معهم وتقذف عقولنا بالسؤال الأزلي: «كيف حدث ذلك»؟ ترفع غشاء أبصارنا فنرى وجوهاً لا نعرفها وأفعالاً لم نتوقعها، وخذلاناً لم نتخيله ونحن بقربهم. ندرك بها حقيقة النفوس وما تحمله من حب أو بُغض، وترفع قدر بعضهم وتنحي البعض الآخر جانباً بعد أن ظننا دهراً أنهم كتف وذراع.

تكشف بصعوبتها وألمها صدق روابط الدم ومعادن الأصدقاء وصفاء الجار وإخلاص المحب. تصهر بأوجاعها العود الغض وتقيمه بقوتها صلباً مستقيماً، وترمم الانكسارات وتجفف دمع الفراق السخين.

تفتحنا على براح الحياة واتساعها وتعدد اختياراتها، وتنشلنا من وهم الحب الأوحد والارتباط الأبدي والإحساس الذي لا يتغير، فنكتشف عالماً آخر ودنيا مختلفة وسعادة لا تتوقف على مزاجٍ متقلب أو ودّ متصنع.

هي المواقف على طريق الرحلة، نتوقف عندها لنعرف حقيقة من حولنا، حباً وإخلاصاً أم تكلفاً ونفاقاً، رباط دم وصلة رحم حقيقة أم علاقات تدوم بالمصالح وتنتهي بانتهائها.

المواقف هي الاختبار الوحيد الذي يضعنا في ميزان من حولنا لنرى قدرنا الحقيقي عندهم وقيمتنا في عيونهم ومكانتا في قلوبهم.

المواقف وحدها نجد فيها الأوفياء في كل ما يلم بنا من وجع وأحزان، وهي أيضاً التي تكشف تلون الوجوه وما تحوي النفوس من حقد دفين أو غيرة أو حسد.

الأسوياء من البشر وحدهم يدركون مواطن ضعف الآخرين فلا يستغلونها، ويعرفون أن رحى الأيام سريعة الدوران فلا يظهرون الشماتة عند وقوع بلاء لأحد أو تعرضه لمصاب.

وتهذيب النفس وترويضها على حب الخير للجميع يحتاج يقيناً بعدالة السماء، وقناعة بأن لكل منا نصيباً غير منقوص في الحياة من السعادة والشقاء بذات القدر وإن تنوع العطاء.

فلا شرف أبداً في كسر قلب، أو خذلان صاحب ظنٍ حسنٍ فينا، أو تخلٍّ عمن يحتاجون بقاءنا جوارهم.

هناك واجب مفروض علينا تجاه من حولنا ومن هم في محيط دوائرنا المتعددة، أهل وأصدقاء جيران وشركاء حياة، ومصير يحتم تواجدنا في قلب المواقف الصعبة التي تواجههم، سنداً لهم وجبراً لانكسارهم وتخفيفاً لآلامهم، وأن نكون في كل وقت عوناً لهم لا عليهم.

• لا شرف في كسر قلب أو خذلان صاحب ظنٍ حسنٍ فينا، أو تخلٍّ عمن يحتاجون بقاءنا جوارهم.

amalalmenshawi@

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة