مقامُ العُبودية لله تعالى

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

العُبُودية لله تعالى هي أشرفُ مقامات الإيمان، وأعظمُ منازل الإنسان عند الرحيم الرحمن؛ لأنها تعني إضافة المربوب للرب المالك الخالق سبحانه وتعالى، وإنما يشرُف المرء بشرف من ينتسب إليه، أو يذل بذُل من ينتسب إليه، وليس هناك شرفٌ أشرفَ من الانتساب لله تعالى الذي خلق فسوى، والذي قدَّر فهدى، وقد نوَّه القرآن الكريم بذلك حينما نسب العبودية لأشرف مخلوقاته، وهم أنبياؤه ورسله، فقال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ}، {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ}، وقال عن نوح: {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا}، ولما أخبر عن سيد الأولين والآخرين في يوم التجلِّي الأعظم عليه بالإسراء والمعراج، قال: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ}، فدلَّ على أنه لو كان هناك مقامٌ أشرفَ من مقام العبودية لنَعته به في هذا المقام، ولمَّا يخبر سبحانه عمن اصطفاهم بالعبودية يخبر عن مكانتهم لديه في القرب والمحبة، والتكرم عليهم بما يليق بكرمه سبحانه، فيقول عنهم: { فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}، ويقول: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، فنجد أنه سبحانه يتفضل عليهم بما يليق بكرمه؛ لأنهم أخلصوا له العبودية، فجاد عليهم من مقام الربوبية بما يسرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

نقول هذا وهو غيضٌ من فيض عن هذا المقام العظيم، الذي نخاطب به معبودنا سبحانه في كل قيام بين يديه قائلين: {إِيَّاك نعبد}، ليقبل عبادتنا له، ولا نعني بالعبادة الصلاة التي نناجيه بها فقط، بل نعني كل ما يرضيه من الأقوال والأفعال والنيات؛ لأننا مُكلَّفون بذلك حتى نكون على صراطه المستقيم، ولننال بذلك ما أعده لعباده المؤمنين مما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما صح في الحديث القدسي، فهذا المقام هو الذي ينبغي أن يسعى إليه العقلاء من الإنس والجن الذين خلقهم الله تعالى لعبادته، وخلق لهم عقلاً يميزون به ما يحقق لهم مبدأ العبودية أو يبعدهم عنها، حتى يكون الجزاء من جنس العمل.

فمنهم من عرف مراد الله تعالى منه، فأعد نفسه للاستجابة لمراده، فتحقق بمبدأ العبودية، فكان الله تعالى سمعَه وبصره، فلا يتأخر عن مأمور، ولا يتقدم إلى منهي، ولا يغفل عن مراقبة الله تعالى في أحواله وأقواله، ولا ينسى ذكره بلسانه وجنانه؛ لأنه يعلم أن الله تعالى سميع بصير، يطلع على أنفاسه وخطراته، فيخاف مقامه، ويتودد إليه بما يحبه من الطاعات، ويبتعد عن المعاصي والسيئات، فيعيش في نعيم الأنس بربه سبحانه، فلا يستوحش من قِلَّة، ولا يعبأ بِذِلَّة؛ لأنه يعلم أن العمر قصير، وأن إلى الله المصير، وأن رضوان الله هو منتهى غايته، وأن الله تعالى لا يضيع مسعاه، ولا يخيب مقصده.

وفريق آخر نسي حاله، واغتر بدنياه، فهو لا يرجو لله وقاراً، ولا يدرك أن له منتهى وقراراً، سينتقل إليه عما قريب، فيجد أن اللهَ قد نسيه من رحمته كما نسي ذكر عبوديته، ويجد أن الله قد أعد لمن تمرد عن طاعته ما يليق بعدله، ولعله يقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ}، وهيهات أن يكون له ذلك.

إن العبودية التي شرَّفنا الله تعالى بها قد لا ندرك عظيم منزلتها إلا إذا رأينا من فقدها، فعبد النفس والهوى، واتخذ الشيطان ولياً من دون الله، ونرى تعاسته في هذه الحياة، وعندئذ نتذكر نعمة الله، وكما قالوا: والضِّد يُظهر حسنَه الضِّدُ.

العبودية التي شرَّفنا الله تعالى بها قد لا ندرك عظيم منزلتها إلا إذا رأينا من فقدها.

«كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي»

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

 

طباعة