دوائر الحياة

أمل المنشاوي

ترسمها الأقدار بعدلٍ حولنا، خطوطاً رفيعة متداخلة، وتترك لنا خياراً واسعاً لملء فراغها وتلوين أقطارها ومحيطها.

يترسخ مركزها بالإيمان والترفع عن الصغائر، وتسمح لنا بمساحات وبراح يسعنا ومن نحب، وتتسع كلما وسعت قلوبنا خيراً ومحبة للجميع، وتضيق لنختنق بها كمداً وحزناً كلما ضافت نفوسنا سخطاً وتطلعاً لما في يد الغير.

تتعدد مع امتداد العمر وطول الطريق وتتشعب، هنا دائرة للعائلة وأخرى للأصدقاء، وثالثة للجيران ورابعة للعمل، وهكذا إلى أن تنتهي الرحلة حاملة معها الكتاب والعنوان والمصير.

تحفظ الأقوال والأفعال والنوايا وتخبئها ليوم تتبدل فيه المقاعد والأدوار، خيراً أو شراً، براً أو عقوقاً، عطاءً أو تقتيراً، «فكل ساقٍ سيُسقى بما سقى».

تبتسم للشر والأذى مهما اشتدت وطأته، يقيناً منها بأنه لن يدوم، وترى الغد بعيون خبرة وتجربة الماضي، فلابد للنور أن ينتصر مهما عمّ الظلام.

تباغتنا تقلباتها وتحول أحوالها وتطالبنا بسداد ما علينا وما اقترفته أيادينا، ولا تنسى مهما تغافلنا نحن أو تظاهرنا بالنسيان.

هكذا دوائر الحياة، ما أسرع دورانها وما أوجع ضرباتها، وما أقسى فعلها وقت القصاص، وما أروعها حين تحفظ الود وتدخر البر وتُسعد وتعطي بلا حد.

دوائر الحياة تنتظرنا عادة قبل نهاية المطاف، حين يوهن الطريق عظامنا ويهدأ الشغف والإقبال، وتتراجع الصراعات مع الزهد والتسليم، فندرك وقتها أن الخسارة أو المكسب كلاهما أبدي، ولا يحتمل أيٌّ منهما فرصة ثانية أو محاولة من جديد.

دوائر الحياة تمنحنا الكثير من الخيارات، وتضع أمامنا الفرصة تلو الأخرى لينتصر الخير بداخلنا، فنصلح ما أفسدناه ونصل ما قطعناه ونرد الحقوق، ونعتذر عن الأخطاء، ثم تحكم حلقاتها علينا إن أبينا وتعالينا.

دوائر الحياة تعكس ما نقدمه لأنفسنا ولمن حولنا إما بريقاً ونوراً مضيئاً أو عتمة وأحزاناً، وكل ذلك حيٌّ في ذاكرة الزمان ينتظرنا مهما تأخر الوصول.

لينظر كل منا داخل دوائر حياته القريبة والممتدة بصدق، ويزرع الحب والخير والعدل، وينقي نفسه من الحسد والتناحر والصراع على أشياء في حقيقتها «مؤقتة»، ولم تدم أبداً لأحد.

فدوائر الحياة، يد الله الممدودة بالعدل وبداية الحساب والقضاء الناجز منذ الأزل، أن «كل نفس بما كسبت رهينة».

• لينظر كل منا داخل دوائر حياته، ويزرع الحب والخير والعدل.

amalalmenshawi@

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة