مقال

الاجتهاد الفقهي أهميته ومؤهلاته

د. أحمد بن عبدالعزيز الحداد

عقد المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية مؤتمره 33، برعاية كريمة من الرئيس عبدالفتاح السيسي، رئيس جمهورية مصر العربية، وكان عنوانه «الاجتهاد ضرورة العصر»، وقد شارك فيه جمع غفير من علماء مصر، ومن كثير من الدول الإسلامية، وقُدِّمت فيه أوراق وأبحاث عديدة، تحدثت كلها عن ضرورة الاجتهاد لبيان الأحكام الشرعية على ما يستجد من الحوادث التي يحتاج المسلم بيان أحكامها، بحكم أنه متعبدٌ شرعاً بمعرفة ما يجب أو يحرم أو يندب أو يكره أو يباح، وهذا الاجتهاد مرتبة عظيمة في الفقه الإسلامي، فقد يدعيه من لا يمكنه الخوض فيه، وهو ما حدث فعلاً من كثير ممن تسنَّم ذِروته فلم يوفق فيه؛ لأنه لا يملك أدواته، فكان اجتهاده فتنة لنفسه وغيره، فجاء المؤتمر ليعالج جوانب القصور في مدَّعيه، ويبين للناس أنه ليس كل مدع للاجتهاد هو من أهل الاجتهاد، وأن من يدعيه فلعل ضرره يكون عليه وعلى غيره أكبر من نفعه، فقد يَضل ويُضل، ويَهلك ويُهلك من اتَّبعه، فلابد من النظر في أهلية المجتهد حتى تُسلم له دعوى الاجتهاد.

إن باب الاجتهاد كان معتركَ الفقهاء والأصوليين الأقدمين؛ بين مُجوِّز بقاءَه، ومانع له، نظراً لشروطه الواسعة والثقيلة فيمن يُسلَّم له ذلك، وكان ذلك استشعاراً لخطر دعواه؛ لأن المجتهد يتكلم على لسان الشرع، وهو مبلغ عن الله ورسوله فيما يحل ويحرم، ويصح ويبطل، فكان التهيب من مكانته عظيما في قلوبهم لبالغ خشيتهم من الله أن يقولوا في شرعه ما ليس منه، فدعاهم ذلك لسد بابه سداً لذريعة أن يدعيه من ليس من أهله، فيضل عن سواء السبيل.

غير أن هذه الخشية لا تناسب سَعة الشريعة الإسلامية، وأنها شريعة لكل عصر ومِصر، وأنه لابد من بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً لبيان ما يَستجد من نوازل فقهية، وحوادث متجددة، فإن الحوادث غير متناهية، بل هي متجددة كل يوم، فلو أُغلق باب الاجتهاد لتعطلت أحكام الشريعة في كل المسائل المستجدة، وبقي المسلمون حيارى في أمر دينهم، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائةِ سنةٍ من يجدد لها دينها»، لذلك كان قول محققي الأصوليين والفقهاء هو وجوبُ بقاء الاجتهاد في كل عصر، وأن الواجب هو التأهل للاجتهاد تأهلاً يمكِّن من استنباط الحكم الشرعي من ظنيات الأدلة الشرعية، والمصالح المرعية والمقاصد الكلية، وأنه إذا توافرت الشروط العلمية للمجتهد فذاك هو المراد الذي تتحقق به مصالح العباد، غير أن هذا التأهلَ يحتاج الكثيرَ من الجهد الذاتي والمؤسسي، أما الجهد الذاتي فهو ما يجب على طالب العلم من شدة الحرص على طلب العلم وبذل الوسع في تحصيله من مضانه، وإنفاق العمر والمال والحال والبال في العلم الذي يؤهله لأن يكون مجتهداً، مدركاً لمقاصد الشرع ومحققاً لمناط الدلائل.

وأما المؤسَّسي فهو وجود المؤسسات العلمية التي لديها برامج كافية ومناهج وافية في تأهيل طلاب العلم لأن يكونوا من أهل العلم الشرعي الذي يستطيعون من خلاله السير على سَنَن أهل الاجتهاد.

وهذا ما دندنَ عليه المؤتمر، فقد حذر كثيراً من مدعي الاجتهاد غير المؤهلين الذي أفسدوا في الأرض ولم يصلحوا، وادعوا ما ليس لهم به علم، وأشاد بدور المجتهدين المحققين الذين دخلوا الاجتهاد من بابه التأصيلي فنفعوا وأفادوا، ورفعوا الحرج عن الأمة بوجود الفرض الكفائي من المجتهدين.

لابد من بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً لبيان ما يَستجد من نوازل فقهية.

 «كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء في دبي» 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.

طباعة