حقد (3)

عبدالله القمزي

وصلت رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى كبير الأطباء في مستشفى، تطلب منه مقابلة طبيب أعصاب مرشح لوظيفة في إدارته. قابل كبير الأطباء الطبيب، وأجرى له اختباراً تحريرياً. اجتاز المرشح الاختبار بدرجة عالية، فقال له كبير الأطباء: لا أستطيع الحكم عليك الآن، لكن راجعنا الأسبوع المقبل، وسأكون قد اطّلعت على اختبارك.

بعد أسبوع، اتصل الطبيب المرشح يسأل، فأبلغه مسؤول في إدارة التوظيف أنه لم ينجح في الاختبار، وأن لا نصيب له في هذا المستشفى. استغرب الطبيب المرشح، وقال إنه متأكد من أنه اجتاز الاختبار، فقال له مسؤول التوظيف: أصدّقك يا سيدي، لكن كبير الأطباء يرغب في شخص له مؤهلات أخرى. نصيحتي قدم في فرع المستشفى الآخر، عند طبيبة تبحث عن شخص بمؤهلاتك لمساعدتها، وسأرسل أوراقك إليها.

اتصلت الطبيبة بالمرشح، ودعته إلى مقابلة واختبار، فاجتازهما، فوقّعت على ورقة تعيينه، ومضت الأيام، وكان خير معين لها.

رغبت الطبيبة في إكمال دراستها، والتخصص في مجال قريب من مجالها، وجاءتها الموافقة، وسافرت إلى بريطانيا. لم يجد مدير المستشفى شخصاً يحل مكانها إلا كبير الأطباء من المقر الرئيس للمستشفى. دخل كبير الأطباء مكتب طبيب الأعصاب، وقال له: تعال معي.

أخذه إلى غرفة مجاورة، وقال له: عليك اجتياز اختبار جديد. رفض الطبيب، وأبدى غضباً من طريقة المعاملة العنجهية، فقال له كبير الأطباء: إن رفضت سأطبّق عليك الإجراءات التأديبية. تشاجر الاثنان، وعلا صوتهما، فتدخلت ممرضة لتهدئتهما.

جمع كبير الأطباء العاملين في تلك الإدارة، وطلب منهم مقاطعة طبيب الأعصاب، وعدم التعامل معه، لأنه يرفض التعليمات. وعقد معهم سلسلة اجتماعات عقيمة، لا حديث له فيها إلا عن كيف يتخلص من طبيب الأعصاب. وكلما سألوه عن السبب، قال: لست مضطراً أن تكون لي أسباب، أنا أكثركم علماً وخبرة، وأنا كبير الأطباء، وأنا أفهم مصلحة العمل أكثر من الجميع.

أقصى كبير الأطباء طبيب الأعصاب، وجلب طبيبة مساعدة معه لتأخذ مكان الثاني. كانت تلك الطبيبة المساعدة على درجة لا تصدق من الوقاحة، وأخذت تهزأ بطبيب الأعصاب أمام زملائهم، وتهينه على مرأى ومسمع من كبير الأطباء، الذي كان يضحك مستمتعاً بما يحدث.

بعد مرور شهر، جاء أحد مرضى طبيب الأعصاب إلى المستشفى يشكو ألماً. وتبيّن أنه شُخص خطأ، وصُرف له دواء غير مناسب. أجرى المستشفى تحقيقاً، تبيّن منه أن الطبيبة المساعدة هي التي شخّصت، ولم يراجع كبير الأطباء إجراءات التشخيص. قرر مدير المستشفى إنقاذ سمعة المكان، ففصلهما عن العمل فوراً، وأعاد طبيب الأعصاب إلى مكانه السابق. بعد مرور خمس سنوات، أصبح طبيب الأعصاب كبير الأطباء.

عبرة

لا تظن أبداً أن براعتك وخبرتك وعلمك أو حتى عبقريتك ستشفع لك وقت الأزمات، خصوصاً لو كان سبب الأزمة الحقد الذي لا فائدة منه سوى دمارك النفسي والمهني والاجتماعي. وتذكر دائماً أن الحمير التي لا عقل لها تشعر بالزلازل قبل وقوعها، وتهرب من المكان، لتسقط البيوت على رؤوس العقلاء.

• لا تظن أبداً أن براعتك وخبرتك وعلمك أو حتى عبقريتك ستشفع لك وقت الأزمات.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com

abdulla_AlQemzi@

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

تويتر