5 دقائق

«لا.. لا.. لن نحتاج المال!»

د. يوسف الشريف

للأسف شاع مفهوم خاطئ في مجتمعاتنا، وربما نتشارك فيه مع جل البشر بأن هناك ارتباطاً كبيراً بين المال أو الغنى وانعدام الأخلاق، فدائماً ما نتغنى بأخلاق الأشخاص النزهاء الفقراء الذين لم تغرهم مظاهر الحياة ولا زينتها ومازالوا زاهدين في الدنيا، ودعوني أرجع لزينة الحياة؛ ألم يذكرها الله - سبحانه وتعالى - بأنها هي المال والبنون، إذاً لماذا ساد المفهوم المخالف للأصل؟! ولماذا باتت لدينا ازدواجية وغلط في تصوير الغني والأشخاص الأغنياء ورسم صورة ظالمة لهم في كثير من الأحيان؟

في الحقيقة وأنا أهمّ بإعداد أوراقي لكتابة مقال هذا الموضوع، استوقفني ما استذكرت من أنشودة دائماً ما كنا نَسمعها ونُسمعها لأولادنا حتى غدت لصيقة لتكرار ألسنتنا، والتي تقول في مطلعها: «لا لا لن نحتاج المال.. كي نزداد جمالاً رونقنا هنا»، ويشير إلى قلبه، والحقيقة أنني لست ضد هذه الأنشودة بحد ذاتها، ولكن يجب أن نتناول الموضوعات بتصورها وبمكانها الصحيح، فالأنشودة هذه ومثلها الكثير تدعو لأن نكون جميلين من دواخلنا، وهذا أمر رائع ومن الواجب أن نسعى لذلك، ولكن هل وجود المال لا يحملنا لأن نكون جميلين من الداخل؟! وهل أن أصحاب المال هم أشخاص سيئون فعلاً في بواطنهم؟

حقيقةً فإنني أجد أن هذا الأمر فيه جانب كبير من الخطأ، خصوصاً وأن لدينا نماذج كثيرة من الأغنياء وأصحاب الملايين الذين يمتازون بحسن أخلاقهم العالية ويقدمون لمجتمعاتهم الكثير، وحتى من كانت أوضاعهم جيدة ومتوسطة وممن يظهرون نعم الله عليهم، كثيراً ما نجدهم أشخاصاً أسوياء في تصرفاتهم ومنضبطين في أخلاقهم، ومن هذا المنطلق أقول إن المال يمكن أن يجعلنا أجمل، وليس بالضرورة أن يرتبط بأمور سلبية.

ولو عدنا للأنشودة التي ذكرت مطلعها سلفاً، فالجمال الذي أظهر منشدها في الفيديو كليب، بعمل فني مناسب له ولعمله، نجد أن المال كان جزءاً كبيراً من إخراج العمل وإخراج ذات المنشد بأبهى طلة، فالمال يجملنا إن أردنا ذلك، من ظاهرنا وباطننا، وكذلك يقبحنا إن أسأنا استعماله، أو كان أحدهم حديث عهد بالنعم، فغرّته مظاهر الدنيا وعلا واستكبر على الناس بسببها، فلا علاقة للمال بما تضمره النفوس.

في أحيانٍ كثيرةٍ يكون المال سبباً لحسن أخلاقنا، خصوصاً عندما نجد من يستخدمه لمساعدة عائلته وأهل بيته والفقراء والمحتاجين من حوله، أو حتى نفسه، فلا عيب ولا حرام في ذلك، بل بالعكس من الجميل أن يتمتع الإنسان بما أنعم الله عليه، وعلى جانب آخر قد نجد كثيراً من الأشخاص ممن يحتاجون للمال لكي يظهروا أخلاقهم، وقد تقول لي: كيف ذلك؟! وأجيب؛ كم من شخص في هذا العالم لا يستطيع أن يصل رحمه بسبب قلة حيلته، وكم من شخصٍ لم يستطع أن يقدم لأهله ما يحتاجون بسبب فقر حاله، وكم من شخص أراد أن تكون له بصمة خير في هذا العالم ولكن أفكاره تتطلب الأموال لتنفيذها، كل هؤلاء وأمثلة كثيرة يصعب ذكرها بحاجة إلى المال لكي تظهر أخلاقهم الجميلة إن كانت حقاً جميلة، ولم تكن مجرد أمنية أن يحصل على المال، وحال تمتعه به تظهر أخلاقه الحقيقية التي لا تمت إلى الجوهر الذي كان يزعمه.

ويخالج نفسي سؤال وهو: كيف لنا أن نقول لأولادنا إن عليهم أن يجتهدوا وأن يعملوا بجد وأن يكملوا مراحلهم الدراسية لكي يتسلموا مناصب أو وظائف مرموقة.. وكيف نطلب منهم أن يكون لديهم منهج في الحياة ليكونوا أشخاصاً ناجحين.. وفي المقابل نصور لهم مفاهيم مغلوطة عن المال؟

أليس نصيب كل مجتهد هو مال يقدره ويقدر عمله؟ ولو كان الأمر بخلاف هذا لما وجدنا شخصاً منا يجتهد، فالمال حاجة نفسية له جوانبه الإيجابية، والغنى والراحة المالية قد يكون لهما آثار إيجابية على المجتمع، فيجعلانه أقل إجراماً وأكثر خلقاً، وما هذا المقال إلا بريق ضوءٍ أردت أن أسلطه على الجوانب الإيجابية لأن تكون صاحب مال، وعلينا أن نغير نظرتنا للغنى، فهو صورة أخرى لجمالنا وجمال أخلاقنا، ودعونا نقُل: لا، لا.. كم نحتاج المال.

twitter.com/dryalsharif

www.ysalc.ae

محامٍ وكاتب إعلامي

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه. 

طباعة