5 دقائق

أنا الغني وأموالي المواعيد

محمد سالم آل علي

يعود تاريخ الإقراض الشخصي بين الأفراد إلى مراحل تاريخية موغلة بالقدم، فمنذ بزوغ فجر الحضارة الإنسانية والمجتمعات في رحلة مستمرة من التعاون والتعاضد، وما كان بالماضي إقراضاً للمحاصيل والطرائد أضحى اليوم على شكل أموال تُدفع لسدّ الحاجة ولجم الصعوبات؛ ولعل الأصدقاء والأقرباء لهم النصيب الأكبر في ما يتعلق بالإقراض الشخصي، حيث إن تقديم الدعم والمساندة للأقربين كان ولايزال عاملاً معززاً للعلاقات المجتمعية، وفرصة سانحة أمام المُقرضين لإخراج أجمل ما في جعبتهم من إيثار واهتمام.

إلّا أن هذه الصورة الجميلة قد تختلف قليلاً في واقع الأمر، وما تم سرده من كلام حلو وجميل قد تشوبه بعض المرارة حين يأتي وقت الأداء والإيفاء، فالقروض بين الأصدقاء والمعارف هي ديون صغيرة تتم من دون أي اتفاق رسمي مكتوب، لذا فهي أقل احتمالاً للسداد مقارنة بالقروض الرسمية التي توفرها البنوك؛ حتى إن إحدى الدراسات العالمية التي أجرتها «CNN Business» توصلت إلى أن 27% من الأشخاص الذين أقرضوا المال لأصدقائهم أو لأفراد من عائلاتهم لم يستردوا أموالهم نهائياً، كما أن 43% منهم نجحوا فقط في تحصيل جزء من مدفوعاتهم، أي أن ما يعادل نصف تلك القروض يذهب إلى غير رجعة.

لاشك أن المسألة هنا تتداخل فيها عوامل متعددة، فالكثير من المُقرضين يستحون من طلب استرداد أموالهم، كي لا تُفهم خطوتهم تلك على أنها انحياز للأموال على حساب الصحبة والقرابة؛ كما أن الكثير من الناس، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية التي تسودها الألفة والمحبة، يرى في تداعيات العلاقة التي ستنشأ عن المطالبة أمراً باهظ الكلفة إذا ما قورن بالتخلي عن مبالغ صغيرة من المال؛ ناهيك عن عامل آخر شديد الأهمية، وهو أن المجتمع لا ينظر صراحة إلى هذه المعاملات على أنها قروض، وإنما مساعدة وتفريج للضيق، وبالتالي فلا إطار زمنياً يحدّها، بل هي خاضعة تماماً لجوانب العسر واليسر.

أما العوامل الأخرى فهي تتعلق بالمقترضين الذين يمتنعون عن السداد، وهم في هذا السياق يُصنّفون إلى ثلاث فئات، فمنهم المتعسّر الذي لديه النية، لكن ليس بمقدوره رد الأموال، وهذا علاجه الصبر والتروّي، فإن دفع ولبّى النداء كان بها، وإن لم يفعل فلديه العذر والتبرير؛ ومنهم أيضاً من يمتلك المال لكنه لا مُبالٍ يعشق المماطلة والتسويف، وهذا دواؤه الإلحاح بالطلب وإظهار الحاجة ومدى الصعوبات وصولاً إلى خلق شعور لديه بالالتزام؛ ولا مانع هنا من إعلام الجميع وإدخال الوساطات، حيث إنه وفي اللحظة التي سيشعر فيها بالحرج وعقدة الذنب سيعمد مباشرة إلى الدفع والوفاء.

لكن أسوأ النماذج، أبعدهم الله عنا وعنكم، هم من لا ينوون السداد مطلقاً ويمتهنون التجاهل والاختفاء، وأولئك لا يُؤتَون إلا بحشد من المحامين والخبراء، ومن ثم تنظيم الشكاوى والترافع أمام القضاء، فلا صداقة هنا تستحق الحفاظ عليها ولا قرابة صعبة الاستغناء.

وفي جميع الحالات أرى أن ترك أثر ورقي لمعاملة الإقراض هو الحل الأمثل الذي سيجنبك العناء، فالمستندات القانونية لها قوة الإلزام، وهي قادرة على تعليم البعض الكثير من الدروس والعبر؛ والأهم الأهم هو أن تبتعد عن الحرج والاستحياء، وأن تمتلك الشجاعة لأن تُطالب وتقول «لا»، خصوصاً حين تستشعر المخاطر أو تعوزك السيولة الكافية، وإلا فسينتهي بك الحال كالمتنبي حين قال: «أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً .. أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ».

الكثير من المُقرضين يستحون من طلب استرداد أموالهم، كي لا تُفهم خطوتهم تلك على أنها انحياز للأموال على حساب الصحبة والقرابة.

مؤسس «سهيل للحلول الذكية» 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

طباعة