5 دقائق

العدل

عبدالله القمزي

صنع مهندس يعمل في شركة تصنيع أثاث أريكة وثيرة في غاية الإبداع، لكن بعض المواد المصنوعة منها الأريكة لم تكن متوافرة داخلياً في الشركة، وإنما اشتراها المهندس من مكان آخر ليصنع هذا المنتج الذي عرضه على رئيس الشركة.

رفض الرئيس المنتَج، واتهم المهندس بالخروج عن خطط العمل المتفق عليها وبالتعامل مع مصانع منافسة. وبدأت حملة تنمّر ممنهجة ضد المهندس المبدع حتى استقال.

اتفق المهندس مع شريكين على تأسيس شركة جديدة وأطلق من خلالها منتجه الذي حقق نجاحاً هائلاً، كبرت الشركة وتوسعت وأصبح لها مصنع كبير.

بعد ثمانية أعوام تخرّجت شقيقة رئيس الشركة الأولى بمعدل امتياز ولم ترغب في الانضمام إليه، حتى لا يربط عملها ونجاحها بشقيقها، واختارت الانضمام إلى شركة المهندس المبدع، لأن منتجاته كانت فعلياً أكثر إبداعاً من منتجات شركة شقيقها.

استطاعت الشابة تحقيق إنجازات في عملها في فترة وجيزة، ما أثار غيرة زملائها ورئيس إدارتها الذي خشي من ذكائها، وقرر البدء بحملة تنمّر ممنهجة لدفعها إلى الخروج. لم تنجح أفعاله ضدها فقرر تقليص دورها في صنع المنتجات، وكاد قراره أن يرتد ضده عندما هبط مستوى الجودة في منتَج أثناء تجربته من قبل الموظفين قبل إطلاقه في الأسواق.

أعادها رئيسها إلى دورها المعتاد وهو حائر في كيفية التخلص منها. فقرر أن يكيد لها ونجح جزئياً عندما أمر بتحويلها إلى مالك الشركة ورئيس إدارة التصنيع الإبداعي، وهو نفسه المهندس المبدع الذي أسّس الشركة، بحجة عدم التقيد بالتعليمات.

جلست المهندسة الشابة مقابل المهندس المبدع وأمامه أوراق الشكوى، قرأ اسمها كاملاً فعرف من تكون. سألها عن الأمر من وجهة نظرها، وأخذت تروي له أساس الخلاف. وأخذت نفسه تسوّل له: إنها أمامي وإني أرى فيها ذلك الظالم الذي دفعني إلى الخروج. يا لها من فرصة ذهبية للانتقام لم أكن حتى أحلم بها.

في الوقت نفسه وهي تروي قصتها رسمت له دون أن تقصد مرآة رأى فيها نفسه بالضبط: شاب مبدع أراد أن يخدم شركته بمنتَج أصيل، لكن غيرة رئيسها دفعته إلى الخروج.

طوى المهندس الأوراق وسألها: أعرف من تكونين لماذا لم تنضمّي إلى شقيقك؟ فشرحت له الأسباب. فمزّق أوراق الشكوى، وقال لها عودي إلى عملك.

دُهشت الفتاة وتملكتها الحيرة وسألته ألستُ معاقبة؟ ألم أرتكب مخالفة؟ فقال لها عودي إلى عملك ولا تسأليني عن شيء، فقط عودي إلى عملك واعملي بكامل طاقتك ولا تلتفتي إلى شيء آخر.

استغرب رئيسها واتصل بالمهندس المالك وسأله لماذا لم تحاسب الفتاة على تقصيرها؟ فردّ عليه: لم أرَ منها تقصيراً، لم أرَ ما رأيته أنت، رأيت شيئاً آخر.

عبرة

هذه أيضاً قصة حقيقية، الدنيا تدور مرة لك ومرة عليك، وهذه من علامات وجود الله. عندما يظلم الإنسان إنساناً آخر فإنه يتناسى وجود الله، ولا يعي أن شخصاً عزيزاً عليه يتعرض للظلم في مكان آخر. لا تفكر في الانتقام من شخص ظلمك فهو اختبار لك. كن أنت الأفضل واتركه لله عز وجل.

الدنيا تدور مرة لك ومرة عليك، وهذه من علامات وجود الله.

Abdulla.AlQamzi@emaratalyoum.com 

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه.  

طباعة